
شهدت الساعات الأخيرة تضاربا في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحرب مع إيران. فبعدما أعلن أمس الإثنين عبر شبكة “سي بي إس” أن الحرب “قاربت على الانتهاء”، مشيرا إلى أن إيران فقدت قدراتها البحرية والجوية وأنظمة اتصالاتها، عاد ترامب بعد ساعات ليتراجع في جواب على استفسار أحد الصحفيين “هل الحرب في نهايتها أم في بدايتها؟” قائلا إن الحرب قد تكون “هذا أو ذاك”، في إشارة إلى احتمال استمرار الحرب لفترة أطول. وفي إشارة إلى حالة من الارتباك داخل الإدارة الأمريكية وإلى تردد يعكس صعوبة تقدير واشنطن لمسار الحرب ونتائجها، وفق خبراء أمن، بحسب ما نقل موقع دي فيلت الألماني.
وفي سياق تفسير هذا الارتباك، يؤكد خبير مكافحة التطرف هانس ياكوب شيندلر لموقع دي فيلت الألماني أن الولايات المتحدة تخوض في إيران تجربة عسكرية لم تُجرَّب سابقا. فرغم نجاح واشنطن في إزاحة جزء من القيادة الإيرانية وتدمير مواقع عسكرية وأمنية فإن النتائج لم تظهر تقدما حقيقيا نحو تحقيق هدف “تغيير النظام” السياسي، إذ لا مؤشرات على انتقال جماعي لقوى الأمن الإيراني نحو المعارضة.
وجاء هذا بالتزامن مع أقوى ضربات تعرضت لها إيران، الثلاثاء (العاشر من مارس/آذار 2026)، منذ بداية الهجمات، وفق ما نقلت وكالة رويترز. إذ هزت انفجارات قوية العاصمة الإيرانية مساء الثلاثاء بعد ساعات من توعد وزير الدفاع الأمريكي بشن ضربات هي الأعنف منذ بدء الهجوم المشترك مع إسرائيل في 28 فبراير/شباط على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية أ ف ب.
تحديات لوجستية تواجه الجيش الأمريكي
تشير تقارير الكونغرس الأمريكي إلى أن البنتاغون استهلك خلال أول 48 ساعة من عملية “الغضب الملحمي” ذخائر بقيمة 5,6 مليارات دولار، ما يثير مخاوف من نفاد ذخيرة الأسلحة المتطورة سريعا. وتضاعفت هذه المخاوف بعد خسارة 11 طائرة مسيرة من طراز MQ‑9 Reaper وتضرر منظومتين من منظومات رادار “ثاد” بتكاليف هائلة، تتجاوز مئات ملايين الدولارات.
ووفق تقرير لصحفية “نيويورك تايمز” الأمريكية نقلا عن مصادر في الدائرة الحكومية الأمريكية، فإن إيران أكثر استعدادا مما توقعت إدارة ترامب، إذ نفذت هجمات مضادة بعيدة المدى وغير متوقعة، مستهدفة مواقع أمريكية وإسرائيلية. ومن أبرز الضربات ذلك الهجوم الذي طال قاعدة “الأزرق” الجوية ليل أمس الإثنين في الأردن، حيث يحتفظ الجيش الألماني أيضاً بمعسكر ميداني صغير، وفق ما نقل موقع شبيغل الألماني، دون تسجيل إصابات رغم استخدام صواريخ باليستية متعددة.
استراتيجية “الموزاييك”: شبكة دفاعية إيرانية لا مركزية
وتعتمد إيران على استراتيجية عسكرية لامركزية أطلق عليها الخبراء “استراتيجية الموزاييك”، وتتكون من 31 وحدة دفاعية تمثل محافظات البلاد، لكل منها مخزونها وتسلسل أوامرها، ما يسمح لها بالعمل منفردة في حال تعطيل القيادة المركزية. ويؤكد الخبير الأمني لموقع دي فيلت الألماني أن إيران تدير حربا هجينة، سياسية واقتصادية وعسكرية، أكثر من كونها مواجهة تقليدية.
ورغم الضربات التي طالت مستودعات الأسلحةبم ومنصات الإطلاق ومراكز القيادة، واصل الحرس الثوري إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، معلنا عزمه استخدام رؤوس حربية، بوزن طن واحد على الأقل، لزيادة تأثير الهجمات. كما تشير العقيدة العسكرية الإيرانية إلى اعتماد أسلوب حرب العصابات في حال حدوث غزو بري، بهدف إلحاق أكبر خسائر بخصومها.
تداعيات إقليمية تضرب أسواق الطاقة وتكشف مدى تضرر الخليج
أثارت الهجمات الإيرانية على منشآت النفط والغاز في قطر والكويت والبحرين اضطرابا كبيرا، إذ أعلنت الدول الثلاث عدم القدرة على ضمان التزامات الإمداد بسبب “القوة القاهرة”، وهو مصطلح قانوني يُستخدم في العقود الدولية ويعني وقوع حدث خارج عن سيطرة الأطراف يجعل تنفيذ الالتزامات مستحيلا أو صعبا جدا. كما أُصيبت محطة لتحلية المياه في البحرين، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، ما أبرز مدى الضرر الذي قد تتعرض له البنى التحتية الخليجية أمام الطائرات المسيرة.
وفي خطوة ذات تأثير عالمي، أغلقت إيران تقريبا مضيق هرمز، الذي يمر عبره يوميا نحو 20 مليون برميل نفط، أي ربع التجارة العالمية تقريباً، وفق ما نقلت وكالة رويترز. وظهرت آثار هذا الإغلاق مباشرة في الولايات المتحدة وأوروبا عبر ارتفاع أسعار الوقود، فيما سارعت هذه الدول الخليجية الثلاث إلى تقديم استفسارات حول طلبات شراء آلاف الطائرات الاعتراضية من شركات أوكرانية بعد أن كشفت الهجمات فجوة في أنظمتها الدفاعية، وكذلك السعودية أبدت اهتماما بالشراء، وفق ما قال الخبير لموقع دي فيلت الألماني.
استعادة النظام الإيراني تماسكه رغم الضربات
ورغم الهجمات التي قُتل فيها 45 شخصية سياسية وعسكرية إيرانية نجح النظام في إعادة ترتيب صفوفه، وانتخب مجلس الخبراء مجتبى خامنئي قائدا أعلى جديدا، في خطوة تؤكد استمرار تماسك السلطة. ويُنظر إليه كقيادي متشدد تربطه علاقات قوية بالحرس الثوري.
وترى إسرائيل أن استمرار الحرب فرصة ذهبية لتدمير البرنامج النووي الإيراني وتقويض القوة الصاروخية لطهران، معتبرة أن الصراع مسألة وجودية. ومع ذلك، يظل النظام الإيراني مصمماً على منع أي انهيار داخلي، وفق تقديرات الخبراء، رغم سقوط آلاف القتلى في الاحتجاجات الأخيرة.
تحرير: ف.ي
Source link



