
“صديقي، نحن متفقان تماما بشأن سوريا ويمكننا تحقيق إنجازات كبيرة في إيران. لا أفهم ما الذي تفعله في غرينلاند”. كلمات كان من المفترض أن تظل سرية، لكن دونالد ترامب نشر هذه الرسالة القصيرة التي توصل بها من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليلة الثلاثاء على موقع “Truth Social”. “لا أحد يريده لأنه سيترك منصبه قريبا، سخر الرئيس الأمريكي متحدثا على ماكرون أمام الصحفيين.
في الوقت الذي يريد فيه إيمانويل ماكرون الحفاظ على مستوى الحوار يقوم ترامب بإحراج الرئيس الفرنسي علنا. يقلد ترامب بانتظام لهجة ماكرون في ظهوره العلني مما يجعله هدفا للسخرية. يبدو أن هذا الاستياء يعود أيضا إلى فيلم وثائقي عُرض مساء الثلاثاء على قناة “فرانس 2” (France 2).
ويظهر الفيلم مكالمة هاتفية خاصة خلال زيارة ماكرون إلى كييف في 10 مايو/ أيار 2025 دون أن يعلم ترامب على ما يبدو أنه يتم تصويره.
رد ماكرون على هجمات ترامب يوم الثلاثاء بالسخرية. قال الرئيس الفرنسي في افتتاح المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس: “نحن نعيش في عصر السلام والاستقرار والقدرة على التنبؤ”، مما أثار ضحك الحضور. لكن نبرة الخطاب سرعان ما تغيرت: رسم الرئيس صورة لعالم بلا قواعد وأوروبا تحتاج إلى إثبات نفسها من جديد. وقال إن قبول “استعمار جديد” لا معنى له. ويرى الفرنسيون في سعي ترامب للاستحواذ على غرينلاند مثالا نموذجيا على سياسة القوة.
إشارات عسكرية للحلفاء
قبل ذلك ببضعة أيام كان العديد من شركاء الناتو الأوروبيين ومن بينهم فرنسا كأحد أوائل وأبرز الشركاء قد ردوا على أزمة غرينلاند. بناءً على دعوة من الدنمارك أرسلت باريس حوالي 15 جنديا من قوات الجبال إلى عاصمة غرينلاند نوك. وتبع ذلك بعد فترة وجيزة مناورة للتزود بالوقود جوًا فوق الأراضي القطبية الشمالية. وبالتوازي مع ذلك تعمل باريس على دفع خطة تم إعدادها منذ عام 2025 لفتح قنصلية عامة في نوك. إن وجود فرنسا في المنطقة هو رد مباشر على خطة ترامب العدوانية لوضع غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة.
إن اللهجة العدوانية من واشنطن تجعل لهجة السياسة الخارجية الفرنسية أكثر حدة. في تهنئته بمناسبة العام الجديد للقوات المسلحة في قاعدة إيستر الجوية في نهاية الأسبوع الماضي استخدم ماكرون عبارات حربية: “لكي تظل حرا يجب أن تكون مخيفا ولكي تكون مخيفا يجب أن تكون قويا”. بالنسبة لغرينلاند أعلن الرئيس عن إرسال المزيد من القوات البرية والجوية والبحرية إلى المنطقة دون أن يحدد ذلك حتى الآن.
رهان التأثير على ترامب
عندما استقبل الرئيس الأمريكي ترامب الرئيس الفرنسي المنتخب ماكرون لأول مرة في البيت الأبيض في مايو/ أيار 2017 قام الفرنسي بمواجهة قوية. ماكرون الذي كان حينها جديدا في عالم السياسة صمد أمام قبضة ترامب الشهيرة لمدة دقيقة تقريبا. كانت الرسالة واضحة: القيادة الفرنسية لا تخشى رئيسا أمريكيا يخلط بين الاحترام والهيمنة. المساواة بدلا من التبعية. كان هناك اقتناع في باريس بأن ترامب لا يستجيب إلا “للقوة”.
في الوقت نفسه راهن ماكرون على أن ترامب سهل التأثير عليه بسبب غروره وحساسيته الشديدة تجاه الإطراء. ودعاه كضيف شرف إلى باريس لحضور أول عيد وطني له في 14 يوليو بما في ذلك عشاء على برج إيفل. الرسالة الرمزية: على الرغم من الخلافات تريد فرنسا الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع حليفها. اعتمد ماكرون عمدا على كرم الضيافة الدبلوماسي لكسب ترامب للتعاون الدولي ووضع فرنسا في موقع صانع الجسور.
احتجاج ضد القومية
لم يتمكن ماكرون من تحقيق تصحيح دائم للمسار في واشنطن. تدهورت العلاقة بين رئيسي الدولتين. ففي 11 نوفمبر 2018 تحدث ماكرون في حضور ترامب عن مخاطر القومية بمناسبة الذكرى المئوية لنهاية الحرب العالمية الأولى. وكان من حق الرئيس الأمريكي أن يفهم ذلك على أنه انتقاد غير خفي لاستراتيجيته “أمريكا أولا”.
وأثار ماكرون ضجة دولية في عام 2019 بتحليله أن حلف الناتو “ميت دماغيا”. لم تكن هذه التصريحات التي أدلى بها في مقابلة موجهة ضد الحلف بقدر ما كانت موجهة ضد سلوك ترامب داخل الحلف. أرادت فرنسا بذلك إثارة نقاش حول المدة التي يمكن لأوروبا أن تعتمد فيها على شريك يشكك علنا في التزاماته. واليوم يمكن قراءة هذه الكلمات التي تعرضت لانتقادات شديدة في ذلك الوقت على أنها تحذير مسبق للأزمة الحالية.
غرينلاند: لحظة الحسم؟
لم يكن هناك “شهر عسل” بين ماكرون وترامب بعد فوز الأخير بولاية رئاسية ثانية قبل عام. ففي ربيع عام 2025 اشتدت حدة النبرة في العلاقات عبر الأطلسي. أصبحت فرنسا هدفا لسياسة ترامب الجمركية بعد أن أعرب ماكرون مجددا عن تأييده لفرض ضريبة رقمية أوروبية منسقة. وهدد ترامب في البداية بفرض رسوم جمركية عقابية على النبيذ الفرنسي والسلع الفاخرة قبل أن يستهدف لاحقا منتجات أوروبية أخرى.
وردت فرنسا والاتحاد الأوروبي بخطاب حاد وأعدوا إجراءات مضادة. حثت باريس أوروبا على ألا تعتمد فقط على النداءات والمفاوضات، بل أن تلجأ أيضا إلى أدوات سياسية تجارية صارمة في حالة الضرورة. وقد صرح ماكرون آنذاك بأن أوروبا “لن تسمح لأحد بأن يملي عليها كيف تمارس سيادتها الضريبية”.
وفي دافوس أشار الرئيس يوم الثلاثاء إلى أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه الاقتصادي التي تتيح اتخاذ إجراءات مضادة مثل الرسوم الجمركية أو قيود الوصول إلى الأسواق. وتُعرف هذه الأداة في النقاش السياسي باسم “بازوكا”.
“ضعف” ماكرون في الداخل
في الوقت نفسه يتناقض إظهار ماكرون لقوته في السياسة الخارجية مع موقفه في فرنسا. ففي السياسة الداخلية لا يملك الرئيس أي قدرة على التصرف. ولم تتمكن حكومته حتى الآن من تمرير ميزانية عام 2026 في البرلمان. وفي أوروبا أيضا لا يزال ماكرون بحاجة إلى تنظيم الأغلبية المؤيدة لسياسته.
بينما يريد ماكرون تحميل “البازوكا” الأوروبية، فإن برلين تضغط على الفرامل. المستشار الألماني فريدريش ميرتس وهو من أشد المؤيدين للتعاون عبر الأطلسي يراهن بشكل أكبر على تهدئة الأزمة في غرينلاند. فبينما يتحدث ماكرون عن “ابتزاز اقتصادي” ويطالب بفرض رسوم جمركية، يحث المستشار الألماني على “التحلي بالحكمة” ويأمل في إعادة ترامب من حافة الهاوية الدبلوماسية من خلال المفاوضات. وبذلك تتصارع برلين وباريسمرة أخرى على القيادة في أوروبا.
صياغة أجندة لتحديد الإيقاع
لكن مبادرات ماكرون تصطدم بواشنطن بشكل متزايد أكثر مما كانت عليه في ولايته الأولى. إن التوازن الذي حققه حتى الآن بين الحوار والمعارضة يصل إلى حدوده. والسؤال المطروح منذ فترة طويلة هو ما إذا كان بإمكان أوروبا أن تحدد الإيقاع بنفسها مرة أخرى.
يرى جاكوب روس، الخبير في الشؤون الفرنسية في المؤسسة الألمانية للسياسة الخارجية أن هذا يمثل مشكلة هيكلية في استراتيجية أوروبا تجاه ترامب: “إيمانويل ماكرون يرد دائما على ترامب”. لم ينجح هو ولا غيره من رؤساء الدول والحكومات الأوروبية حتى الآن في صياغة أجندة تحدد الإيقاع، بدلا من الاكتفاء بالرد على الاستفزازات القادمة من واشنطن.
أعده للعربية: م.أ.م
Source link



