أخبار العالم

تقرير حقوقي يحذر من إساءة إسرائيل معاملة معتقلين فلسطينيين

لا تزال ذكرى الاعتداء الجنسي باستخدام عصا تطارد تامر قرموط من بيت لاهيا في شمال قطاع غزة، وهو واحد من بين كثيرين، تحدثوا عن معاناتهم للمنظمة الإسرائيليةلحقوق الإنسان “بتسيلم”. وقد نشرت شهادته الكاملة في تقرير جهنم على الأرض“،  الذي نشرته المنظمة يوم الاثنين (19 كانون الثاني/ يناير 2026) على موقعها الالكتروني.

ويُعدّ التقرير تحديثًا لتقرير أهلا بكم في جهنم الصادر في أغسطس/آب 2024، ويتضمن 21 شهادة جديدة لفلسطينيين حول الأوضاع في سجون ومراكز احتجاز إسرائيلية مختلفة، وذلك بعد النشر السابق، الذي ضم 55 شهادة.

“تحولت السجون الإسرائيلية إلى شبكة من معسكرات للتعذيب”، قالت يولي نوفاك، المديرة التنفيذية لمنظمة بتسيلم، في حوار مع DW.

وجاء في التقرير أن “إسرائيل تواصل سياستها المنهجية والمؤسسية في تعذيب وإساءة معاملة المعتقلين الفلسطينيين، وهي سياسة تحظى بموافقة ودعم النظام السياسي والقضائي ووسائل الإعلام، وبالطبع سلطات السجون نفسها، التي تتباهى بالظروف التي يُحتجز فيها المعتقلون الفلسطينيون”.

رفضت مصلحة السجون الإسرائيلية، التي تدير 30 سجنا مدنيا في البلاد، بشكل قاطع الادعاءات الواردة في الشهادات. وقالت في تصريحات لـ DW: “كل الادعاءات المتعلقة بعنف منهجي أو إساءة معاملة هي ادعاءات كاذبة وغير مدعومة بالأدلة”.

وأضافت بأن “جميع السجناء يحتجزون وفق الإجراءات القانونية، وتصان حقوقهم، بما في ذلك الحصول على الطعام والرعاية الطبية والعيش في ظروف إنسانية، على يد طاقم مهني مدرب”.

ووفقا لأحدث تقاريرها الصادرة في سبتمبر/ أيلول 2025، كانت مصلحة السجون تحتجز 10863 فلسطينيا مصنفين كـ”سجناء أمنيين”. من بين هؤلاء، يعرّف 3521 بأنهم “معتقلون إداريون”، وهو المصطلح الذي يشير إلى الفلسطينيين الذين يسجنون من دون محاكمة ومن دون فرصة للدفاع عن أنفسهم ضد الاتهامات. ويعرّف 2623 آخرون بأنهم “محاربون غير شرعيين”، أي أنهم أشخاص يحتجزون من دون صفة رسمية كأسـرى حرب، وفق اتفاقيات جنيف، ما يعني أن الحماية القانونية المتاحة لهم أقل.
أما 3227 فيعرّفون بأنهم “موقوفون أمنيون”، أي فلسطينيون تجري ضدهم إجراءات قانونية؛ لكنهم لم تتم إدانتهم بعد. في حين أن الـ1492 الباقين هم “محكومون أمنيون” صدرت بحقهم أحكام قضائية بالسجن.

“خلال صفقة تبادل الأسرى في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، أُفرج عن نحو ألفي فلسطيني، من بينهم تامر قرموط، البالغ من العمر 41 عاما. كما أدت الصفقة إلى إطلاق سراح 20 منالرهائن الإسرائيليين الناجين الذين كانت حماس تحتجزهم منذ هجمات 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 الإرهابية على إسرائيل، وذلك ضمن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.

ومع ذلك، تشير منظمة “بتسيلم” إلى أن عدد المعتقلين الفلسطينيين لا يزال أعلى مما كان عليه قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023؛ ففي سبتمبر/ أيلول 2023، كانت مصلحة السجون الإسرائيلية قد سجّلت وجود 4935 معتقلا فلسطينيا”.

مراكز احتجاز عسكرية

إلى جانب السجون المدنية الإسرائيلية، يدير الجيش الإسرائيلي أيضا أربعة مراكز احتجاز عسكرية في أنحاء البلاد. ويظل سجن “سدي تيمان”، في صحراء النقب، في صميم هذه الاتهامات على وجه الخصوص.

فبعد شهرين من هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول، والذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، واختطاف أكثر من 240 رهينة، جرى تحويل أجزاء من هذه القاعدة العسكرية إلى مركز احتجاز كبير.

يذكر أن حركة حماس هي جماعة فلسطينية إسلاموية مسلحة تصنفها ألمانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى كمنظمة إرهابية.

ومنذ ذلك الحين، يحتجز الفلسطينيون المصنفون “مقاتلين غير شرعيين” هناك وفقا لما يعرف بـ “قانون المقاتلين غير الشرعيين” الإسرائيلي. ووفقا لهذا القانون، يسمح للجيش الإسرائيلي باعتقال المشتبه بانتمائهم إلى مجموعات مسلحة واحتجازهم لمدة 45 يوما من دون أمر توقيف رسمي. كما يحتجز بعض الأشخاص لمدة تصل إلى 90 يوما من دون السماح لهم بالوصول إلى محام.

وقال أحد الفلسطينيين، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، بعد الإفراج عنه في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، في شهادته لمنظمة بتسيلم: “في منشأة سدي تيمان مررت بأقسى أيام حياتي. ما زلت أعاني من صدمة نفسية شديدة. احتجزوني عاريا، وأطلق الجنود علي الكلاب. ضربوني على عضوي الذكري، وربطوه بحبل بلاستيكي، مما تسبب في تورم ونزيف”.

وقال محمد المشواخي (45 عاما) إنه في سدي تيمان “كانوا بالكاد يسمحون لنا بالاستحمام، وعندما كانوا يسمحون بذلك، لم يكن سوى لمدة دقيقتين فقط. لم نبدل ملابسنا تلك لأكثر من شهرين، أصبحت متسخة جدا، وكنا نضطر إلى غسلها ثم ارتدائها مجددا وهي لا تزال مبللة، حتى في برد الشتاء”.

وعند سؤال الجيش الإسرائيلي عن عدد من الحالات الفردية، قال لـDW  إنه غير قادر على التعليق على هذه القضايا من دون معرفة الخلفية الكاملة لكل حالة. إلا أن الجيش الإسرائيلي شدد على أن جنوده يتصرفون وفقا للقانون الإسرائيلي وكذلك القانون الدولي، وأنهم يصونون حقوق المحتجزين في مرافق الاحتجاز الواقعة تحت مسؤولية الجيش.

وأضاف الجيش الإسرائيلي لـ DW بأنه “يتعامل مع أي انتهاكات من هذا النوع بأقصى درجات الجدية، لأنها تتعارض مع قيمه الأساسية”، مؤكدا أنه يرفض بشكل قاطع الادعاءات المتعلقة بإساءة المعاملة المنهجية للمحتجزين، بما في ذلك ادعاءات الاعتداء الجنسي. كما أشار إلى أن الشكاوى الملموسة المتعلقة بسوء السلوك أو بعدم ملاءمة ظروف الاحتجاز تحال إلى الجهات المختصة، وأنه يتم اتخاذ إجراءات تأديبية بحق موظفي مرافق الاحتجاز في الحالات المناسبة.

غير أنه، ووفقا لتحقيق أجرته “منظمة العمل ضد العنف المسلح” (AOAV) غير الحكومية في أغسطس/آب 2025، فإن 88 بالمئة من التحقيقات الإسرائيلية في ادعاءات إساءة المعاملة الأخيرة في غزة توقفت أو أُغلقت من دون التوصل إلى نتائج، في حين أسفر تحقيق واحد فقط عن إصدار حكم جنائي.

سجن سدي تيمان العسكري في وسط صحراء النقب 10.01.2025
يدير الجيش الإسرائيلي أربعة سجون عسكرية أشهرها سجن سدي تيمان في وسط صحراء النقبصورة من: Mostafa Alkharouf/Anadolu/picture alliance

استراتيجية نزع الإنسانية

ترى جين كينينمونت، الرئيسة التنفيذية للفرع البريطاني لـ”جمعية الأمم المتحدة” (UNA)، وهي منظمة غير حكومية، أن هناك نمطا متكررا. وقالت لـ DW إن “حالات إساءة المعاملة داخل السجون، غالبا ما تنكر السلطات الأمر في البداية، ثم تقول لاحقا إنها مشكلة ناجمة عن عدد قليل من مسؤولين صغار، يتصرفون بشكل منفلت”. وأضافت أن الحقيقة هي أن ذلك “كثيرا ما يكون متسامحا معه، أو حتى مشجعا من المستويات العليا، وينظر إليه كوسيلة لتخويف وإكراه جماعة ينظر إليها على أنها عدو”.

وأضافت كينينمونت أنه في الوقت نفسه فإنّ السكان المحليين ومنظمات حقوق الإنسان مثل بتسيلم وكسر الصمت، يعملون بشجاعة من أجل تغيير هذه الديناميكيات، وقالت: “لكنهم يتعرضون باستمرار لضغوط من الحكومة الإسرائيلية التي ترى أن نزع الإنسانية مفيد استراتيجيا، لأنه يساعد على تبرير إخضاع أناس آخرين وتدمير مقومات الحياة الفلسطينية في غزة”.

وتعتقد كينينمونت أن معالجة هذه الانتهاكات بشكل جدي، لو كانت إسرائيل ترغب فعلا في ذلك، تتطلب قيادة واضحة من الأعلى.

ومع ذلك، قال إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي اليميني المتطرف، الذي تشرف وزارته على مصلحة السجون الإسرائيلية، في منشور باللغة العبرية على منصة إكس في يوليو/ تموز 2024، إن أحد أهم أهدافه هو “تفاقم ظروف الإرهابيين في السجون، وتقليص حقوقهم إلى الحد الأدنى الذي يفرضه القانون”.

 وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير في جلسة للكنيست 28.10.2024
أحد أهداف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير هو تقليص حقوق المعتلقين الفلسطينيين إلى الحد الأدنى الذي يفرضه القانونصورة من: Debbie Hill/newscom/picture alliance

الكنيست ينظر في إعادة العمل بعقوبة الإعدام

مؤخرا أطلقت منظمات حقوقية متعددة تحذيرات بشأن مشروع قانون مثير للجدل يجري حاليا بحثه في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست). وإذا تم إقراره، فإن “قانون العقوبات (تعديل – عقوبة الإعدام للإرهابيين) 2025″ من شأنه أن ينهي الإلغاء الفعلي لعقوبة الإعدام في إسرائيل.

وفي سياق تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حذرت هذه المنظمات في بيان لها من أن ذلك سيشكل تهديدا خطيرا وموجها ضد الفلسطينيين. وقالت ميلينا أنصاري، الباحثة المساعدة المعنية بإسرائيل وفلسطين في منظمة “هيومن رايتس ووتش” المدافعة عن حقوق الإنسان: “حاول إيتمار بن غفير الدفع بقانون عقوبة الإعدام في مطلع عام 2023، لكنه بات الآن يكتسب زخما”.

حتى قبل ذلك، كانت الأمم المتحدة ومنظمة هيومن رايتس ووتش قد حذرتا بالفعل من إساءة المعاملة والتعذيب المزعوم ووفاة معتقلين فلسطينيين. ووفقا لتقرير منظمة بتسيلم الأخير، فقد توفي ما لا يقل عن 84 معتقلا فلسطينيا، من بينهم قاصر واحد، في السجون الإسرائيلية ومراكز الاحتجاز العسكرية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتقدر بعض منظمات حقوق الإنسان العدد بأكثر من ذلك، ليصل إلى نحو 100 حالة وفاة.

وقالت ميلينا أنصاري لـ DW إن “الشهادات التي وثقتها منظمة بتسيلم مروعة، لكنها تتطابق تماما مع الأبحاث التي أجرتها هيومن رايتس ووتش”. وأضافت: “لا تبدو هذه الانتهاكات حوادث معزولة، بل جزء من نمط أوسع، ولا سيما منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023″، مشيرة إلى أنه “تم توثيق أنماط مماثلة من التعذيب، والمعاملة القاسية والمهينة، والعنف الجنسي، وسوء المعاملة الطبية، خصوصا بحق العاملين في القطاع الصحي الفلسطيني، الذين جرى احتجازهم من غزة”.

وحذرت أنصاري كذلك من أن “ما نشهده على الأرجح لا يمثل سوى صورة جزئية، إذ إن السلطات الإسرائيلية تعرقل الرقابة المستقلة”. ويشمل ذلك المنظمة الدولية الرئيسية التي تملك حق الوصول إلى الأسرى في أوقات النزاع، وهي اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

أعده للعربية: عارف جابو


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى