
بالرغم من مرور أكثر من عام على رحيل نظام الأسد، ما زالت بعض قوانين الاستبداد التي كانت نافذة خلال فترة حكمه قائمة إلى اليوم، من ضمنها القانون رقم 93 لسنة 1958، أو “قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة”.
صدرَ هذا القانون في 8 تموز/يوليو 1958 لترخيص الجمعيات غير الربحية والخيرية والثقافية وضمان الرقابة عليها في سوريا، ورغم التعديلات اللاحقة عليه، فرضَ هذا القانون قيوداً صارمة على الجمعيات في سوريا، واستُخدمَ من قبل الأسد الأب والابن للسيطرة على منظمات المجتمع المدني التي قد تنتقده.
أعطى هذا القانون الدولة صلاحية حلّ المنظمات لأسباب فضفاضة، مثل الإخلال بـ “النظام العام أو الآداب العامة” أو حتى لـ “عدم الحاجة” لخدماتها، ويُطبق القانون دون أي رقابة قضائية ودون منح الجمعيات حق الاستئناف.
القانون يعطي الدولة سيطرة مطلقة على الجمعيات
حتى أن القانون منح الحكومة سلطة مطلقة في التدخل بشؤون الجمعيات، مثل المشاركة بالأنشطة السياسية، وتنظيم الأنشطة والفعاليات، وحتى بقرارات انضمامها إلى الجمعيات الدولية، وتسجيلها رسمياً، وقرارات توظيف أعضاء مجلس إدارتها وموظفيها، وحتى مصادر تمويلها، وخاصة التمويل الخارجي.
ويشير تقرير قُدِّم إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عام 2016 أن القانون رقم 93 لسنة 1958 استُخدم من قبل نظام الأسد “للحرمان التام للمواطنين السوريين من حقهم في حرية تكوين الجمعيات”.
أعلنت الحكومة السورية المؤقتة برئاسة أحمد الشرع عن خطتها لإلغاء قانون 93 لعام 1958، ولكنه ما زال ساري المفعول إلى اليوم، ففي أواخر العام الماضي أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أنه يتعين على منظمات المجتمع المدني السورية الالتزام به في الوقت الراهن.
وقالت آمنة قلالي، مديرة البحوث في “معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان” (CIHRS) في دراسة نشرها المعهد حول واقع المجتمع المدني في سوريا تشرين الأول/أكتوبر الماضي: “إن القوانين المصممة للسيطرة على المجتمع المدني وتقييده لا تصبح حميدة لمجرد تغيّر القيادة السياسية. فاستمرار وجودها في النصوص القانونية يخلق مجموعة أدوات قانونية قائمة وجاهزة يمكن تفعيلها في أي وقت”.
تواصل معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان مع الحكومة السورية موصياً بإلغاء القانون، لكنه أفاد بأنه لم يتلقَ أي رد، كما لم تتلق قناة DW رداً من دمشق على استفسارها حول موعد إلغاء القانون.
القانون يطبّق بشكل عشوائي
صرّحت هبة عز الدين، رئيسة جمعية “عدل وتمكين” السورية المعنية بحقوق المرأة لـ DW أن القانون يُطبق بشكل عشوائي، وهو ما أكدته عشرات المقابلات التي أجراها المركز الدولي لحقوق الإنسان مع جهات فاعلة في المجتمع المدني لإعداد تقريره.
فقد أفادت تلك الجهات أن القانون يطبّق أحياناً، بينما تُتخذ القرارات شفهياً أحياناً أخرى، وغالباً دون تقديم أي تفسير، فعلى سبيل المثال ذكرت إحدى الجمعيات أن فعالية حول العدالة الانتقالية في العاصمة السورية دمشق أُلغيت بشكل مفاجئ، بينما سُمح لاحقاً بإقامة فعاليات مماثلة.
كما أفادت جمعية “من أجل سوريا” (The Syria Campaign)، وهي منظمة حقوقية مقرها المملكة المتحدة، أنها قد سمعت أن السلطات المحلية تشترط مشاركتها في اختيار الموظفين لدى منظمات المجتمع المدني، وقالت رزان رشيدي، المديرة التنفيذية للمنظمة: “تلقينا أيضاً تقارير عن فرض قيود على الاجتماعات، لا سيما من قِبل الحركات السياسية، مع أننا لا نستطيع الجزم بأن هذا نمطٌ سائد في جميع الاجتماعات من هذا النوع”.
بيروقراطية أم استبداد جديد؟
نتيجة لكل هذه الضبابية ، يبرز السؤال: هل هذه العراقيل سياسة متعمدة من قبل الحكومة السورية المؤقتة؟ والسؤال الآخر: وهل هي علامة على أن البلاد تتجه نحو الاستبداد؟
يقول مؤسس منظمة سورية لمراقبة حقوق الإنسان لـ DW رفض الكشف عن هويته نظراً لمحاولاتهم المستمرة لتسجيل المنظمة في سوريا: “نريد أن نتمسك بالأمل، نريد أن نصدق أن هذا ليس مُتعمّداً”. وأضاف: “نعلم أن الدولة ليس لديها سيطرة كاملة على كل شيء، لكن يبدو الأمر مُعقّداً بلا داعٍ، ومع ما شهدناه العام الماضي، يصعب الجزم بشيء”، مُشيراً إلى أعمال العنف الطائفي الأخيرة التي شاركت فيها قوات حكومية.
أما فضل عبد الغني، رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فيرى: “صحيح أن هناك تعقيداً وبيروقراطية. يجب أن تكون الحكومة أكثر شفافية، وهذا القانون بحاجة إلى تعديل. لكن هذا يحدث في كل مكان. لقد واجهنا أيضاً صعوبات في تسجيل منظمتنا ولم نتمكن من فتح حساب مصرفي في فرنسا”. ويضيف فضل عبد الغني أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان مسجلة الآن في سوريا، وتعمل بحرية، وقادرة على انتقاد الدولة. ويردف الحقوقي لـ DW: “لا تزال سوريا مدمَّرة بسبب الصراع، وانظروا إلى ما ورثناه من نظام الأسد: الفساد، ونقص التمويل، ونقص الخبرة، وتدمير المؤسسات. لقد التقيت بوزراء، وزرت الوزارات، وجميعهم يؤكدون رغبتهم في الإصلاح. لكن الأمر ليس سهلاً”.
الحكومة الانتقالية بين التحديات والرغبة بالإصلاح
تعتقد آمنة قلالي، مديرة البحوث في “معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان” (CIHRS)، أن المشاكل الحالية ناتجة عن مجموعة من العوامل: “من جهة، هناك قيود حقيقية. وتواجه الحكومة الانتقالية تحديات، لكن لا يمكن تجاهل العوامل الهيكلية والسياسية”. وتشرح أكثر آمنة قلالي: “الإبقاء المتعمد على التشريعات التقييدية من عهد الأسد، بما في ذلك القانون رقم 93، يثير مخاوف مشروعة بشأن الإرادة السياسية. عادةً ما تُعطي السلطات الانتقالية الملتزمة بالشمول الديمقراطي الأولوية للإصلاحات القانونية المبكرة التي تمكّن من المشاركة المدنية وتحمي حريات عمل جمعيات المجتمع المدني”.
وهو ما تتفق معه الناشطة في مجال حقوق المرأة، هبة عز الدين، حيث قالت لـ DW: “ما نشهده على الأرجح هو نتيجة عوامل متعددة، ومن المهم عدم التسرع في استخلاص النتائج بشأن النوايا، لكن هذا لا يُلغي ضرورة معالجة هذه التحديات بوضوح ومنهجية”.
ويقول مراقبون إن منظمات المجتمع المدني في سوريا غالباً ما ينظر إليها كجزء جوهري في عملية انتقال البلاد من الحكم الاستبدادي.
وقالت رزان رشيدي من جمعية “من أجل سوريا” (The Syria Campaign): “يلعب المجتمع المدني، سواء في المنفى أو داخل البلاد، دوراً حيوياً في إبقاء النضال من أجل الحرية والعدالة ومشاركة جميع السوريين حياً”. ورداً على الانتقادات الموجهة لبعض القوانين وغياب الإصلاح، أشارت رزان رشيدي إلى أنه “منذ سقوط نظام الأسد، تمكنت العديد من منظمات المجتمع المدني، بما فيها منظمات الضحايا، من افتتاح مكاتب رسمية في سوريا، وهذا أشبه بحلم تحقق”. وأضافت رزان رشيدي أن هذه المنظمات، التي اكتسبت خبرة خلال الحرب، يمكنها تقديم المساعدة والخدمات، والمساهمة في تعزيز التماسك الاجتماعي، وينبغي الاستعانة بها للمساعدة في صياغة السياسات العامة السورية نظراً لتمتعها بروابط مجتمعية قوية.
ولكن التحدي الحقيقي اليوم “يكمن في ضمان ألا يتحول هذا الوضع المؤقت إلى نمط دائم” بحسب هبة عز الدين، رئيسة جمعية “عدل وتمكين” السورية المعنية بحقوق المرأة، وقالت: “فاستمرار التأخير (في الإصلاح) قد يؤدي – حتى دون قصد – إلى تراجعنا”.
أعدته للعربية: ميراي الجراح
Source link



