
رغم الضجيج الإعلامي الكبير وبرامج “التوك شو” التي استفاضت في الحديث عن التشكيل الحكومي الجديد، إلا أن أحمد، الذي يعيش في حي باب الشعرية بوسط القاهرة، قابل كل ذلك بفتور.
وقال “صراحة، لم أهتم كثيرا، ولكن قرأت عن الوزارات الجديدة، فإذا هي كما هي. لم يتغير شيء ولن يكون هناك تغيير في الأوضاع. لكني تابعت فقط وزراء الاقتصاد وهل هناك جديد”.
يبدو أن اهتمام أحمد، وهو متزوج ويعمل معلما في مدرسة ابتدائية، بالاقتصاد يمكن تفسيره في ضوء الأزمة الاقتصادية التي تئن تحت وطأتها مصر منذ عقود خاصة مع غلاء الأسعار.
اقتصاد مثقل بالديون
وشهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأربعاء (11 فبراير/ شباط 2026) أداء اليمين الدستورية لعدد من الوزراء الجدد ضمن تعديل وزاري ركز على الحقائب الخدمية والاقتصادية وتضمّن تغييرا لوزير الدفاع في اللحظات الأخيرة.
واستحدث التعديل منصب نائب رئيس الوزراء للتنمية الاقتصادية، وأُسند إلى حسين عيسى، الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة في البرلمان. وفي إطار التعديل، فُصلت وزارتا النقل والصناعة اللتان كانتا تشكلان حقيبة وزارية واحدة.
ويرى عمرو عادلي، أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن العوامل التي يمكن من خلالها تفسير أداء الاقتصاد المصري في المرحلة السابقة سوف تؤثر على أداء الحكومة الجديدة.
وقال في مقابلة مع DW عربية إن هذه العوامل “ذات طابع هيكلي، مثل أسعار الفائدة المرتبطة بالفائدة على الدولار أو أسعار الطاقة العالمية لبلد صار مستوردا صافيا للطاقة في السنوات القليلة الماضية، وأيضا عوامل مؤسسية مثل القيود التي تواجه الاستثمار في مصر أو مزاحمة الخزانة للقطاع الخاص للاقتراض لتمويل العجز في الموازنة”.
وأضاف “تصوري أن مثل هذه التأثيرات ولا شك هي التي تحدد المساحة (وهي محدودة) التي يمكن للوزراء التكنوقراط المتولين الحقائب الاقتصادية الحركة فيها”.
ووجه الرئيس المصري الوزارات المعنية بالاقتصاد بالعمل على “تحسين الوضع الاقتصادي… والتوجه نحو تخفيض حجم الدين العام”، ولا سيما مع انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي بنهاية عام 2026.
ويبلغ حجم الدين الخارجي لمصر 161 مليار دولار وفق بيانات البنك المركزي المصري منتصف عام 2025.
غلاء الأسعار في صدارة هموم الشارع
وتعاني البلاد، الغارقة في الديون، من أزمة اقتصادية تواجهها الحكومة بصفقات استثمارية وتجارية مع دول الخليج، إلى جانب قروض صندوق النقد الدولي.
ويرأس مصطفى مدبولي الحكومة المصرية منذ ثماني سنوات، في فترة شهدت خفضا متكررا لقيمة الجنيه واستمرار إجراءات التقشف في إطار برنامج صندوق النقد الدولي الذي انطلق عام 2016، بالإضافة إلى جائحة كوفيد والتداعيات العالمية للحرب في أوكرانيا.
وشهد التعديل الجديد تعيين الخبير السابق في البنك الدولي أحمد رستم وزيرا للتخطيط والتنمية الاقتصادية، لتنتهي بذلك مهام رانيا المشاط التي تولت مناصب عدة في حكومات السيسي منذ عام 2018.
وفي تعليقها، قالت سلمى حسين، كبيرة الاقتصاديين بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية: “نحن نتعامل مع الاقتصاد وكأنه أمر واحد، بينما الاقتصاد في الحقيقة مثل الطب توجد فيه تخصصات متعددة. واختيار التخصص المناسب يؤدي بطبيعته إلى نتائج أفضل”.
وأضافت في مقابلة مع DW عربية: “أرى أن اختيار شخصية معنية بالتخطيط وبشكل الدولة التي نريد الوصول إليها – دولة الرعاية الاجتماعية التي نسعى إلى بنائها – عندما نضع هذا الهدف أمامنا، فإنه يفتح لنا قائمة من الخيارات المحتملة أوسع بكثير من تلك التي شملها التعديل الوزاري.”
تحديات متراكمة
وكان استطلاع لرويترز في أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي قد توقع نمو الاقتصاد المصري بنسبة 4.6% في السنة المالية التي تنتهي في يونيو/حزيران 2026، مع استمرار انخفاض التضخم وأسعار الفائدة وزيادة الصادرات بدعم تراجع العملة المحلية.
وانخفض معدل التضخم السنوي في مصر من مستوى قياسي بلغ 38% في سبتمبر 2023، مدعوما بحزمة دعم مالي بقيمة ثماني مليارات دولار من صندوق النقد الدولي عام 2024.
وبعيدا عن الأرقام فإن ما يشغل قطاعا كبيرا من المصريين في الوقت الراهن هو قضية “غلاء الأسعار” الذي يرتفع بشكل يصفه البعض بأنه “جنوني”، خاصة مع قرب شهر رمضان.
وأثارت موجة الغلاء الأخيرة قلق الكثيرين في أكبر بلد عربي من حيث عدد السكان، خاصة أسعار اللحوم والدواجن والسلع الأساسية.
وفي هذا السياق، تقول الاقتصادية سلمى حسين إنه “من ناحية العدالة الاجتماعية، وفي ضوء التشكيل الجديد، فهذا يعني أن الحكومة ماضية في مخططاتها لتقليص الدعم العيني والتركيز على الدعم النقدي”.
وأضافت أن التشكيل الجديد يوحي بأن الحكومة “ماضية في تخصيص الجزء الأكبر من الموازنة العامة لصالح فوائد الدين والديون قصيرة الأجل. وهذا يعني مباشرة أن هناك موارد حكومية أقل تتوجّه للحماية الاجتماعية ولحماية المواطنين”.
ويأتي التعديل الوزاري الذي شمل وزارات معنية بالاقتصاد والاستثمار والصناعة في ظل أزمة اقتصادية تُعد الأسوأ في مصر منذ عقود، وأدت إلى تضاعف الديونالخارجية أربع مرات منذ عام 2015، غير أن الحكومة تتخذ خطوات للخروج من هذه الأزمة.
ففي السنوات الأخيرة، اتجهت الحكومات المصرية نحو خصخصة ممتلكات الدولة وبيع الأصول في محاولة لرفع الاحتياطي الأجنبي ومواجهة الضغوط الاقتصادية.
من جانبه، قال عمرو عادلي، أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، إن بلدا مثل مصر “شديد التعرض للصدمات الخارجية، اقتصادية كانت أو جيوسياسية، في منطقة مضطربة، لذا لا أعتقد أنه يمكن لوم التضخم أو ضعف الأداء على التشكيل الحكومي السابق”.
وتابع: “إذا استمرت ذات العوامل كما هي، فلا أظن أن تغييرا وزاريا سيعني الكثير على مستوى الأداء، خاصة وأن خلفيات المسؤولين الاقتصاديين متشابهة للغاية، وقناعاتهم الأيديولوجية متطابقة، ورهاناتهم في ملفات الاستثمار أو التجارة واحدة، علاوة على أن المساحة الحقيقية المتاحة لهم لاتخاذ القرارات الاقتصادية لا تبدو كبيرة”.
تحرير: عادل الشروعات
Source link



