أخبار العالم

العلاقات عبر الأطلسي.. مؤتمر ميونيخ يكشف خطوط الصدع الجديدة

هل ما زال هناك أمل في أن تستعيد العلاقات – التي كانت حتى الماضي القريب – وثيقة بين  الولايات المتحدة وأوروبا  عافيتها وتعود إلى سابق عهدها؟ أم أن سياسات الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب  تدفع هذه الشراكة نحو انقسام عميق قد يصعب ترميمه؟

هيمنت هذه الأسئلة على فعاليات مؤتمر ميونيخ للأمن في نسخته الـ62 في عاصمة بافاريا، والذي يُعد أهم اجتماع من نوعه في العالم.

وبعد ثلاثة أيام من الخطب والنقاشات، تبدو الحصيلة قاتمة، لكنها ليست كارثية. فماذا أسفرت عنه مناقشات مؤتمر ميونيخ الذي عُقد وسط أكبر تحول يشهده النظام العالمي منذ نهاية الحرب الباردة؟

كلمة  وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام مؤتمر ميونيخ
أمام مؤتمر ميونيخ، طالب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الأوروبيين بالانضمام إلى الولايات المتحدة في سعيها لـ”تجديد” النظام العالمي.صورة من: Liesa Johannssen/REUTERS

العلاقات عبر الأطلسي لم تمت بعد

ترأس الوفد الأمريكي وزير الخارجية ماركو روبيو الذي قال إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ترحب بتخلي أوروبا عن اعتمادها على  الولايات المتحدة، مؤكدا أن واشنطن لا تريد لأوروبا أن تكون “تابعة” لها.

وأضاف روبيو خلال زيارة إلى سلوفاكيا عقب مشاركته في الحدث “لا نريد من أوروبا أن تكون تابعة للولايات المتحدة. نريد أن نكون شركاء لكم. نريد العمل مع أوروبا، والعمل مع حلفائنا”.

ويرى خبراء أن نبرة رئيس الدبلوماسية الأمريكية جاءت مختلفة تماما عن خطاب نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس الصادم العام الماضي.

فقد شهد مؤتمر ميونيخ العام الماضي مفاجأة كبيرة عندما انتقد فانس الحلفاء الأوروبيين بسبب سياساتهم المتعلقة بالهجرة وحرية التعبير.

بعض الشكوك

لكن الخبراء يرون أن الولايات المتحدة تريد صداقة، ولكن وفق شروط ترامب، وسط تساؤلات عما إذا كانت واشنطن في ظل الإدارة الحالية مستعدة فعلا لشراكة على قدم المساواة، رغم التهديدات السابقة المتعلقة بالسيطرة على جزيرة غرينلاند الدنماركية.

ومع ذلك، يثير حديث روبيو خلال مؤتمر ميونيخ شكوكا عديدة. فعلى سبيل المثال، أوضح في ملف الهجرة أنه لا يمكن أن تكون هناك شراكة إلا إذا اتبع الأوروبيون النهج السياسي لترامب.

وقال روبيو: إنه “في سعينا لعالم بلا حدود فتحنا أبوابنا أمام موجة غير مسبوقة من الهجرة الجماعية التي تهدد تماسك مجتمعاتنا، واستمرارية ثقافتنا، ومستقبل شعوبنا”.

وأضاف أن الولايات المتحدة تود العمل مع الأوروبيين لتغيير هذا الواقع، لكنها مستعدة للتحرك بمفردها إذا لزم الأمر.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل انتقد وزير الخارجية الأمريكي الدول الأوروبية بسبب ما وصفه بـ”السياسة الضعيفة والمترددة” في مجالات أخرى، متهما إياها “بالخوف من التغير المناخي، ومن الحرب، ومن التكنولوجيا”.

كما أوضح بشكل صريح أن الولايات المتحدة لم تعد تؤمن بالنظام الدولي القائم على القواعد.

فريدريش ميرتس وإيمانويل ماكرون وكير ستارمر  في مؤتمر ميونيخ
خلال مؤتمر ميونيخ، جرى نقاش احتمال أن تنشئ ألمانيا وفرنسا مظلة نووية أوروبية تكمل الردع النووي الأمريكي الذي تعتمد عليه “الناتو” حاليا.صورة من: Thomas Kienzle/REUTERS

الاستقلالية الأوروبية

يرى خبراء أن الصدمة التي عانت منها الدول الأوروبية جراء سياسة ترامب تحوّلت اليوم إلى ما يشبه البراغماتية.

ففي خطابه أمام مؤتمر ميونيخ، اعترف المستشار الألماني فريدريش ميرتس بـ”حقيقة غير مطمئنة: لقد نشأت فجوة وانقسام عميق بين أوروبا والولايات المتحدة”.

وقال إن الرد يجب أن يكون بمزيد من الاستقلالية الأوروبية، مضيفا أنه “في عصر التنافس بين القوى الكبرى، لن تكون الولايات المتحدة قوية بما يكفي لتتحمل الأعباء وحدها”.

ويثير حديث ميرتس تساؤلات حول ما الذي تحتاجه أوروبا كي تقف على قدميها؟

فخلال المؤتمر، طُرحت عدة أفكار، منها مناقشة احتمال أن تنشئ ألمانيا وفرنسا مظلة نووية أوروبية تكمل الردع النووي الأمريكي الذي تعتمد عليه “الناتو” حاليا.

لكن من المرجح أن يثير هذا النقاش غضب الولايات المتحدة. غير أن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، المقرب من ترامب، قال “لا يهمني ذلك كثيرا. المهم هو تعزيز الردع النووي. العالم يحتاج إلى ناتو قوي وصلب”.

كما دعا ميرتس إلى تفعيل بند الدفاع المشترك في معاهدة الاتحاد الأوروبي، المشابه للمادة الخامسة من معاهدة الناتو.

ويواصل ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض انتقاد الأوروبيين، خاصةً في ملف الهجرة، معتبرا أنهم يواجهون خطر “محو حضاري”.

الوضع قاتم بالنسبة لأوكرانيا

أما فيما يتعلق بالحرب الروسية في أوكرانيا، فقد حصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر ميونيخ على اهتمام أقل بكثير من المعتاد.

ودعا إلى تسريع تسليم أنظمة الدفاع الجوي من الدول الغربية، قائلا: “تمكن أحيانا من إيصال صواريخ جديدة لأنظمة باتريوت أو ناسامس قبيل وقوع هجوم، وأحيانا في اللحظة الأخيرة”.

أما وزير الخارجية الأمريكي فلم يذكر الحرب الروسية في خطابه، لكنه اعترف لاحقا بأنه من غير الواضح ما إذا كانت روسيا مستعدة للتفاوض في محادثات السلام التي أطلقها ترامب.

حتى المستشار ميرتس لم يجعل أوكرانيا محور خطابه، إذ تركز حديثه بشكل رئيسي على أزمة العلاقات عبر الأطلسي.

غزة ومجلس السلام

وخلال المؤتمر، أكد روبيو أن الأمم المتحدة لم تلعب “عملياً أي دور” في تسوية النزاعات الدولية، داعيا إلى إصلاح المؤسسات الدولية.

وقال إن “الأمم المتحدة ما زال لديها إمكانات كبرى لتكون أداة للخير في العالم، لكن لا يمكننا التغاضي عن أنها اليوم لا تملك إجابات بشأن أكثر القضايا إلحاحا، ولم تلعب عملياً أي دور. لم تتمكن من إيجاد تسوية للحرب في غزة“.

تحرير: عماد غانم


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى