
من الواضح أنَّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحب كثيرًا إصدار إنذارات نهائية، حتى وإن ظلت بعد ذلك من دون تبعات: ففي بداية نيسان/أبريل، وضع الرئيس الأمريكي إيران تحت ضغط هائل بإصداره أحد هذه الإنذارات، ليعلن قبل وقت قصير من إعلانه عن وقف إطلاق نار مدته 14 يومًا. والآن انتهى وقف إطلاق النار هذا من دون التوصل إلى نتيجة وتم تمديده من جديد قبل انتهائه بفترة قصيرة. ومن الملفت للنظر أنَّ اتفاق وقف إطلاق النار الجديد لا يوجد فيه إنذار نهائي.
وترامب يريد الآن الكف عن قصف إيران حتى تُقدّم قيادتها مقترحًا جديدًا لحل النزاع ويختتم الطرفان محادثاتهما حول ذلك – “بصيغة أو بأخرى”. وحتى ذلك الحين ستواصل البحرية الأمريكي حصار الموانئ الإيرانية.
بين السلام والتصعيد: كيف يمكن أن تتطور الأوضاع؟
وعلى آية حال لقد أتاح وقف إطلاق النار لمدة 14 يومًا المجال لإجراء أول مفاوضات مباشرة بين الطرفين منذ نحو عشر سنين؛ بيد أنَّ الثقة المتبادلة لم تكن كافية بعد لعقد جولات أخرى من المحادثات. فقد تم الإعلان كثير عن عقد لقاءات جديدة بوساطة باكستانية في إسلام آباد، ولكن تم تأجيلها أو حتى إلغاؤها.
ويعود ذلك إلى إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على خطة من 15 بندًا، بينما تصر إيران بدورها على المطالبة بعشرة بنود. ولكن على الأرجح أنَّ كلا الطرفين لا يوجد لديهما اهتمام كبير في الحفاظ على حالة عدم الاستقرار الراهنة إلى أجل غير مسمى. ولذلك من الممكن تصوُّر سيناريوهين آخرين مختلفين تمامًا: إما أن يعود الطرفان إلى المحادثات، ويُقرّبا مواقفهما ويتوصلا في النهاية إلى اتفاق سلمي. ولكن من الممكن أيضًا أن يتفاقم الوضع أكثر ويتصاعد التوتر العسكري في مضيق هرمز، وفي هذه الحالة من المحتمل استئناف القتال.
ما أبرز نقاط الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران؟
يوجد من بين المطالب الأمريكية الخمسة عشر شرطان يعتبران رئيسيين بشكل خاص: يجب على إيران التخلي عن برنامجها النووي والسماح بمرور السفن بحرية عبر مضيق هرمز.
وفيما يتعلق بالبرنامج النووي، لا يمكن لترامب التراجع إلى تنازلات المقدمة في الاتفاق النووي، الذي شارك في التفاوض عليه سلفه باراك أوباما، وقد ألغاه ترامب في عام 2018. وفي ذلك الوقت حاول ترامب الحصول على “اتفاق أفضل”، ولذلك أعاد فرض العديد من العقوبات التي كانت معلقة.
وفي هذا الصدد أفادت وسائل إعلام أمريكية بأنَّ الطرفين اختلفا مؤخرًا بشكل أساسي حول الإطار الزمني: فقد كانت إيران مستعدة للتخلي عن تخصيب اليورانيوم لخمس سنين، بينما أصرت الولايات المتحدة الأمريكية على عدم تخصيب اليورانيوم لعشرين عامًا على الأقل. وكذلك تركزت الخلافات حول كيفية التحقق من ذلك، وماذا سيحدث لليورانيوم المخصب الموجود في إيران.
أما المشكلة الرئيسية الثانية فهي أحدث من الحرب، التي بدأت في 28 شباط/فبراير: ردًا على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، أوقفت إيران حركة الملاحة المدنية عبر مضيق هرمز، الذي يعتبر شريانًا حيويًا مهمًا للتجارة العالمية. وعندما أدرك النظام في طهران مدى فعالية فرضه الحصار، بقدأ الحديث عن فرضه رسوم عبور.
ما من شك في أنَّ رسوم المرور هذه مغرية اقتصاديًا بالنسبة لإيران، وبما أنَّ إغلاق المضيق يزيد من ندرة الوقود وغيره من السلع في بقية أنحاء العالم، فهذا يعني أنَّ تأثير طهران هائل. ذكر الحرس الثوري الإيراني أنَّه هاجم ثلاث سفن شحن يوم الأربعاء الماضي – أي بعد تمديد وقف إطلاق النار.
والولايات المتحدة الأمريكية ترفض إغلاق المضيق رفضًا تامًا. وفي منتصف نيسان/أبريل، فرض الرئيس ترامب بدوره حصارًا بحريًا على جميع السفن التي تريد الدخول إلى الموانئ الإيرانية أو الخروج منها.
وهذا يعيق حاليًا وصول إيران المهم اقتصاديًا إلى طرق التجارة. وعلى الأرجح أن يتم تأمين عودة الملاحة الحرة كما كانت قبل الحرب من خلال مهمة بحرية دولية مؤقتة تنهي قلق شركات الشحن على السفن والطواقم التي ترسلها عبر مضيق هرمز.
ما العوامل الكامنة التي تعزز التقارب أو تعرقله؟
لقد تسببت حرب إيران بأضرر سياسية داخلة للرئيس الأمريكي: فقد ابتعد عنه أعضاء من حركته “لنجعل أميريكا عظيمة مرة أخرى”، لأنَّ ترامب نكث بوعده بعدم دخول الولايات المتحدة الأمريكية في عمليات عسكرية طويلة الأمد ومكلفة في الخارج. كما أنَّ التداعيات الاقتصادية لإغلاق المضيق واضحة في الولايات المتحدة تمامًا كما هي في بقية أنحاء العالم – ليس فقط في محطات الوقود. ولعل ترامب تجنب لهذا السبب إصدار إنذار نهائي جديد، حتى لا يعرّض نفسه لمزيد من الضغط.
يضاف إلى ذلك أنَّ المواطنين الأمريكيين سيدلون بأصواتهم لاختيار تشكيلة جديدة للكونغرس في انتخابات التجديد النصفي بعد نحو ستة أشهر. وإذا خسر الجمهوريون الأغلبية لصالح الديمقراطيين، فسيكون عواقب ذلك وخيمة بالنسبة لترامب. وهذا من جهة يزيد من الضغط عليه ليتجنب الانغماس تمامًا في حرب طويلة الأمد، ولكنه يضمن من جهة أخرى تحقيق نتيجة فيدة له.
ومن المحتمل أنَّ النظام الإيراني بقيادة المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي لا يريد الإسراع كثيرًا، ولكن الحصار الأمريكي في الواقع يضر أيضًا الاقتصاد الإيراني. بيد أنَّ هذا لا ينطبق بالضرورة بنفس القدر على الحرس الثوري، الذي يصفه الخبراء الآن بأنَّه “دولة داخل الدولة”، وقد وسّع نفوذه أكثر خلال هذا النزاع. ولذلك فإنَّ الحرس الثوري لديه اهتمام أقل بخفض التصعيد مقارنة بالقيادة الدولة في إيران.
ويوجد أيضًا عامل حاسم آخر: لقد بدأت إسرائيل الحرب بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ ولكن أهداف الحرب التي تريد تحقيقها حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تختلف عن أهداف الولايات المتحدة. فإسرائيل تقع ضمن مدى صواريخ عدوها اللدود إيران، ولذلك فإنَّ مصالحها الأمنية وجودية. وكذلك لقد تجدد بالتزامن مع الغارات الجوية على إيران صراع إسرائيل مع حليف إيران في لبنان حزب الله.
وفي الأيام الأولى لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، قصفت إسرائيل حزب الله بكثافة. وتعتبر دول عديدة حزب الله اللبناني، أو جناحه العسكري، منظمة إرهابية. ومن بين هذه الدول الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول أخرى. كما حظرت ألمانيا نشاط الحزب على أراضيها في عام 2020 وصنفته كـ”منظمة إرهابية”.
والآن يسري هنا أيضًا وقف إطلاق نار توسط فيه الرئيس الأمريكي ترامب، ولكن بالدرجة الأولى بين الدولة في لبنان وإسرائيل. وإذا قامت لبنان وإسرائيل بتطبيع علاقاتهما في الواقع – علمًا أنَّهما في حالة حرب رسميًا منذ تأسيس إسرائيل في عام 1948 – وتمكنت بيروت ضمن هذه العملية من نزع سلاح حزب الله، فمن المتوقع أن يساهم ذلك في تعزيز أمن إسرائيل. ومع ذلك فإنَّ تحقيق هذه النتيجة غير مؤكد على الإطلاق، كما أنَّ عملية السلام هذه مرتبطة ارتباطًا وثيقًا أيضًا بالتطورات التالية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.
أعده للعربية: رائد الباش
تحرير: عادل الشروعات
Source link



