
قبل أيام قليلة من الاحتفاء بذكرى ميلاده الثالثة والعشرين صدر أمر ملكي بتعيين ولي العهد المغربي مولاي الحسن كمنسق عام للقوات المسلحة الملكية، في خطوة رأى فيها مراقبون خطوة رمزية تتجاوز الطابع البروتوكولي. فقد ولد يوم الثامن من مايو/ أيار 2003، وهو اليوم الذي أعلن فيه القصر الملكي في الرباط ولادة الأمير، ولي عهد العاهل المغربي الملك محمد السادس.
مولاي الحسن، اسم اختير له حسب ما نشره الإعلام المغربي، “تعبيرا عن قيم الوفاء لملكين عظيمين في تاريخ البلاد، هما السلطان مولاي الحسن الأول والملك الحسن الثاني، وتجسيدا لاستمرارية العرش العلوي”.
كان أول ظهور رسمي له إلى جانب والده في 31 يوليو/تموز 2004 خلال حفل الولاء، الذي توّج الاحتفالات الرسمية بعيد العرش في الذكرى الخامسة لتولي الملك محمد السادس الحكم. إلا أنه ظهر قبل ذلك في العام نفسه، بينما كان الملك يحمله خلال التقاط صور تذكارية مع المنتخب المغربي لكرة القدم عقب عودته كوصيف لبطل كأس الأمم الإفريقية التي أقيمت في تونس عام 2004.
عناية خاصة بمسار دراسة ملك مستقبلي
نشأ الأمير الشاب في أجواء وطقوس صارمة ومناهج تربوية خاصة بين زملاء متميزين، بعضهم ينتمون لفئات اجتماعية وشعبية من مناطق محتلفة من البلاد. وكان التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول 2008، وهو اليوم الذي انضم فيه الأمير مولاي الحسن المدرسة المولوية بالقصر الملكي، التي أسسها الملك الراحل محمد الخامس في أربعينيات القرن الماضي لتمكين الأمراء من الإعداد المناسب لتحمل المسؤولية، من خلال نظام تعليمي صارم ودقيق.
الأسبوع الدراسي لولي العهد الأمير مولاي الحسن داخل المدرسة المولوية، كان يبدأ يوم الاثنين وينتهي السبت، بمجموع 45 ساعة دراسية في الأسبوع، تشمل حصص الدعم والمراجعة. وداخل المدرسة المولوية، يدرس الأمراء مع أطفال وشباب من عامة الشعب تم اختيارهم بعناية، وكان من بين من حظوا بهذه التجربة، مؤرخ المملكة السابق والناطق الرسمي باسم القصر الملكي السابق، حسن أوريد، المنحدر من قرية جنوب المغرب.
وحول هذا التقليد يقول حسن أوريد، مؤرخ المملكة السابق، الذي درس مرحلة الثانوية أيضا في المدرسة المولوية: “سنة 77 انتقلت من الراشدية (جنوب شرق المغرب) للدراسة بالمدرسة المولوية التي كان يرتادها ولي العهد حينها، الملك محمد السادس، والتي درس بها الملك الراحل الحسن الثاني أيضا، في تقليد راسخ، يقوم على أن يدرس الأمراء مع مختلف شرائح المجتمع المغربي”. واعتبر أوريد أن الأمر “كان حظوة وفترة حاسمة في مساري، وكانت انتقالا من زمن إلى زمن”.
وقال أوريد في حوار صحفي شارحا عبارة “التربية لي والتكوين لكم” التي جاءت على لسان الملك الراحل الحسن الثاني: “لقد سمعتها من محمد شفيق، الذي تقلد منصب مدير المدرسة المولوية سابقا، وقد حكى لي أن الملك الحسن الثاني، وجهه فيما يخص تنظيم التعامل مع ولي عهده آنذاك الملك محمد السادس”، على أساس أن تربية الملوك أو الأمراء، تخضع لطقوس معينة، وأن التكوين فهو شأن المدرسين، وأن المهام المنوطة بمحمد شفيق تتعلق بالتكوين وليس التربية”.
وكما هو حال الملك الراحل الحسن الثاني، حرص الملك محمد السادس شخصيا وبشكل مباشر، على البرنامج الدراسي لولي العهد ورفاقه حسب تقرير لصحيفة إيلاف، وقد جرى توجيه العاملين داخل المدرسة المولوية للتعامل مع الأمير بمساواة مع زملائه من دون تمييز، إلا ما تقتضيه الأعراف الملزمة باحترام الأمير.
ونقل المصدر ذاته عن الملك محمد السادس، في أحد لقاءاته الصحفية، قوله إنه يحرص على أن “يحصل ولي العهد على تربية مثل التي حصلنا عليها أنا وشقيقاتي وشقيقي”، وهي تربية “تميل إلى الصرامة مع برنامج دراسي حافل، إذ تلقينا تربية دينية جيدة في الكتاب القرآني بالقصر، وأنا حريص على أن يتلقى ابني نفس القواعد التربوية “.
وبعد 12 عاما من انضمامه للمدرسة المولوية، أعلن وزير التربية الوطنية عن نيل الأمير مولاي الحسن شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) الدولية، خيار “العلوم الاقتصادية والاجتماعية” بميزة حسن جدا. ويذكر أن المسار الدراسي الابتدائي لولي العهد والأمراء يبدأ من المدرسة المولوية ويتم ايضا في مرحلة التعليم الثانوي بمعهد دار السلام (ثانوية عامة بالرباط).
اختيارات أكاديمية دقيقة وذات مغزى
بعد أشهر من حصوله على شهادة الثانوية العامة، أعلن رئيس جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بالرباط عن “شرف استقبال صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن” ضمن صفوف الطلبة.
وحسب الإعلام المغربي، فإن التحاق الأمير مولاي الحسن بالجامعة يمثل “منعطفا نوعيا في فلسفة تكوين ولي العهد بالمملكة”، من منطلق أن المسار الأكاديمي بهذه الجامعة الخاصة غير الربحية والمدعومة من شركة المكتب الشريف للفوسفات(شركة عمومية)، يقدم “نموذجا رائدا للتعليم العالي الحديث بالمغرب“.
ويشمل برنامجه مقررات في الاقتصاد والعلوم السياسية والقانون والعلاقات الدولية والفكر الاجتماعي، يخضع لها جميع الطلبة من دون استثناء، بما يضمن مساواة بين ولي العهد وزملائه، إذ يتابع الأمير الدروس نفسها داخل مدرجات الكلية، ويلتزم بالتقييمات والامتحانات نفسها، بشكل يمنح حضوره بعدا رمزيا يعكس “صورة طالب، لا يميزه أي شيء عن باقي الطلبة”.
وفي هذا الصدد، نقلت صحيفة “الأيام” المغربية في ملف خاص عن حياة الأمير، عن مصادر تحدثت إليها، أن هناك تكوينا موازيا يضم محاضرات خاصة يؤطرها أساتذة مرموقون وخبراء دوليون في قضايا الحوكمة والدبلوماسية، وورشات مغلقة حول البروتوكول الدولي، والتفاوض، والأمن الاستراتيجي والعلاقات الجيوسياسية.
كما يتضمن لقاءات عملية مع مسؤولين سياسيين واقتصاديين داخل المغرب وخارجه، إلى جانب مواد إضافية لا تتاح لبقية الطلبة، مثل تاريخ المؤسسة الملكية في المغرب، والدبلوماسية الملكية المغربية، والملفات الاستراتيجية الكبرى للدولة، خصوصا ملف الصحراء، إفريقيا، الطاقة والمناخ.
حصل الأمير على شهادة الإجازة في العلاقات الدولية، ثم شهادة الماجستير في العلوم الجيوسياسية بميزة مشرفة، ويواصل ولي العهد الأمير مولاي الحسن التحصيل الأكاديمي، وذلك بتحضير دكتوراه الدولة في العلوم الجيوستراتيجية والعلاقات الدولية.
ويعتبر البروفيسور عبد الله ساعف، المفكر ووزير التعليم الأسبق، أحد الشخصيات الأكاديمية التي تساهم في التكوين الأكاديمي لولي العهد الذي شمل أيضا إشرافا مباشرا من شخصيتين وازنتين في المشهد الاقتصادي المغربي، وهما مصطفى التراب، المدير العام لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، وكريم العيناوي، رئيس مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد (PCNS) ومستشار داخل المجموعة ذاتها.
كما ذكرت صحيفة الأيام عددا من أسماء المحاضرين الزائرين من جامعات ومراكز بحث مرموقة، الذين استضافتهم الجامعة بتزامن مع متابعة ولي العهد لدراساته في سلك الماستر، من بينهم العالم الأميركي ويليام فيليبس، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء سنة (1997)، والبروفيسور إيفان ليبرمان، مدير مركز الدراسات الدولية بمعهد “إم إي تي” الأميركي، والدكتور أنطوني هالوج، الخبير السويسري في مجال الاقتصاد الدائري والتنمية المستدامة، والبروفسور المغربي الأصل الحاج لعمري، والخبير السنغالي بكاري صامب، مدير مركز “تمبوكتو” للدراسات الاستراتيجية.
التنشئة على البروتوكول والتدريب على مهام الدولة
بدأ ظهور وريث العرش العلوي في أنشطة رسمية إلى جانب والده الملك محمد السادس منذ صغر سنه، وبعد ذلك صار يترأس بنفسه عددا من الأنشطة والفعاليات الوطنية والدولية.
كان أول نشاط يقوم به ولي العهد الأمير مولاي الحسن، مباشرة بعد بلوغه سن العشرين هو حضور الذكرى السابعة والستين لتأسيس القوات المسلحة الملكية، وترأس مأدبة فعاليات بالمناسبة نيابة عن والده الملك محمد السادس الذي ينص الدستور المغربي على أنه القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية.
وقام الملك محمد السادس، بتعيين ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، حسب وكالة المغرب العربي للأنباء (وكالة أنباء رسمية)، وهو أحدث تعيين لولي العهد. حدث وصفته تقارير صحفية بأحدث ارتقاء في مكانة الأمير الشاب، الذي صار ظهوره العلني خلال الآونة الأخيرة ملحوظا ويترك انطباعات قوية حول شخصيته.
وأتى تعيين الملك محمد السادس لولي عهده كمنسق لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية يوم السبت 2 ماي 2026، “بعد أقل من سنة على ترقيته إلى رتبة كولونيل ماجور بما تحمله هذه الترقية من دلالات سياسية وعسكرية”، حسب المحلل السياسي المغربي محمد شقير.
وحسب تحليله: فإن”لهذه الترقية ا تعتبر مجرد تقدم في السلم العسكري، بل تحمل دلالات استراتيجية على مستوى الدولة، وترمز إلى نضج مبكر في شخصية ولي العهد، وإلى حرص المؤسسة الملكية على ضمان الاستمرارية، وتعزيز الكفاءة والاستعداد لدى الجيل القادم من القيادة”.
كما أتى في قراءة المحلل، أنه قرار “يؤكد ثقة الملك كقائد أعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية في القدرات الشخصية والمهنية لولي العهد، وتترجم التوجه الملكي في تكوين ولي العهد تكوينا شاملا يجمع بين العمق الأكاديمي والخبرة الميدانية.
وأن ذلك يضع ولي العهد داخل الدائرة القريبة من صنع القرار المرتبطة مباشرة بـوالده الملك محمد السادس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية دون المرور عبر سلسلة القيادة العملياتي، وهو ما يمنحه فهما تدريجيا لطبيعة الملفات العسكرية والأمنية من خلال الاحتكاك اليومي بها، في ما يمكن اعتباره تكوينا ميدانيا، أي تعلم مباشر من داخل المؤسسة وليس من خارجها”.
ومن بين المهام التي أوكلها الملك لولي عهده، استقبال الرئيس الصيني، شي جين بينغ، الذي قام بزيارة للمملكة في نونبر / تشرين الثاني 2024.
وخلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وعقيلته بريجيت ماكرون للمغرب بدعوة من الملك في أكتوبر/ تشرين الأول من السنة الماضية، رافق ولي العهد، الملك محمد السادس، خلال حفل الاستقبال الرسمي. كما شارك ولي العهد، ممثلًا للملك محمد السادس، في مراسم جنازة البابا فرنسيس بالفاتيكان العام الماضي.
كما يرافق ولي العهد الأمير مولاي الحسن، الملك محمد السادس، خلال المناسبات الدينية والوطنية مثل إحياء ليلة القدر وصلاة عيد الفطر والأضحى وخلال حفل تقبل التهاني.
كما يتولى ولي العهد المغربي بتكليف من والده تدشينات ذات رمزية خاصة، كان آخرها تدشين “برج محمد السادس”(أكبر برج في القارة الأفريقية)، وقبلها ملعب “الأمير مولاي عبد الله” بالرباط، وترأس فيه حفل افتتاح النسخة الـ 35 من كأس إفريقيا للأمم.
“كاريزما الأمير”.. هكذا يُنظر إليه
يشبهه الكثير من أبناء الشعب المغربي بجده الملك الراحل الملك الحسن الثاني، في العديد من التصرفات والحركات والطباع، عندما كان في سنه. فهو حسب تقارير صحف مغربية، حيوي في مختلف فضاءات الإقامة الملكية بالرباط عندما لا تتابعه الكاميرات، وهو متزن ورزين بصورة تفوق سنه عندما يظهر مرافقا والده الملك في المناسبات الرسمية.
وحول شخصيته أيضا، كثرت التعليقات بعد توالي ظهوره في المناسبات الكبرى، ومنها الكروية خاصة، فحديثه العفوي مع لاعبي المنتخب المغربي للشباب خلال استقبالهم في القصر الملكي احتفاء بإحرازهم لقب كأس العالم للشباب عام 2025، أو خلال افتتاح كأس إفريقيا في الرباط خلال العام نفسه، أشعل مواقع التواصل إعجابا “بشخصيته القريبة من أبناء الشعب”كما عبر عن ذلك عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتداولت أيضا لقطات حول تفاعله مع أهداف المنتخب المغربي خلال متابعته مباريات كأس أفريقيا رفقة والدته الأمير للا سلمى وشقيقته الأميرة للا خديجة وأصدقاء مقربين، ما عكس اهتمامه وشغفه بكرة القدم ومتابعته لإنجازات “أسود الأطلس”.
لا يقتصر شبه الأمير بجده الحسن الثاني على الملامح فقط، بل يمتد إلى تلك القدرة على فرض الهيبة في الصمت، والنباهة في مراقبة التفاصيل الدقيقة للبروتوكول، وهو ما يجعل المغاربة يرون فيه نسخة محدثة من ملكهم الراحل.
حزم لافت صار مصدر إعجاب وإشادة من الإعلام والشارع المغربيين، حينما يظهر الأمير في أكثر من مناسبة، تيقضا كبيرا حينما يتعلق الأمر باحترام البروتوكول حين مرافقته للملك محمد السادس، فقد التقطت عدسات الكاميرا أكثر من مرة تدخله لتصحيح ما يحدث أمامه من “أخطاء بروتوكولية”. كما تحظى مقاطع الفيديو التي يظهر فيها متفاعلا مع والده أو مبديا اهتمامه بصحته خلال المناسبات العامة، تداولا وإعجابا كبيرا على وسائل التواصل الاجتماعي.
كيف يتم انتقال العرش وفق الدستور المغربي
حسب الفصـل 43 من الدستور المغربي، فإن “عرش المغرب وحقوقه الدستورية تنتقل بالوراثة إلى الولد الذكر الأكبر سنا من ذرية الملك، ثم إلى ابنه الأكبر سنا وهكذا ما تعاقبوا، ما عدا إذا عين الملك قيد حياته خلفا له ولدا آخر من أبنائه غير الولد الأكبر سنا، فإن لم يكن ولد ذكر من ذرية الملك، فالمُلك ينتقل إلى أقرب أقربائه من جهة الذكور، ثم إلى ابنه طبق الترتيب والشروط السابقة الذكر”.
وعن تفاصيل سن الملك وفترة توليه الحكم، جاء في الفصل 44 من الدستور، أن “الملك يعتبر غير بالغ سن الرشد قبل نهاية السنة الثامنة عشرة من عمره. وإلى أن يبلغ سن الرشد، يمارس مجلس الوصاية اختصاصات العرش وحقوقه الدستورية، باستثناء ما يتعلق منها بمراجعة الدستور. ويعمل مجلس الوصاية كهيئة استشارية بجانب الملك حتى يدرك تمام السنة العشرين من عمره”.
Source link



