
وجدت دول الخليج العربية نفسها في موقف لا تُحسد عليه مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط، بعدما تحولت القواعد والقوات الأمريكية المنتشرة في الخليج إلى سبب مباشر لاستهداف إيران للبنية التحتية والمنشآت الحيوية رداً على تلك الحرب. ورغم التراجع الكبير في القدرات العسكرية الإيرانية نتيجة القصف الأمريكي الإسرائيلي، فإن طهران ما تزال قادرة على ضرب دول الخليج، كما تحتفظ بسيطرة قوية على مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، سواء نجح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مع إيران ويقدمه باعتباره انتصاراً، أو قرر استئناف القتال، فإن دول الخليج ستكون الخاسر الأكبر. لذلك تبدو الحاجة ملحة أمام هذه الدول للعمل على صياغة تفاهمات خاصة بها مع إيران تحقق مصالحها، بدلاً من انتظار واشنطن لتحقيق تلك المصالح.
الأمن الإقليمي ومسؤولية دول الخليج
وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية، يرى ديفيد روبرتس، المحاضر في قسم دراسات أمن الشرق الأوسط بجامعة كينجز كوليدج لندن ورئيس معهد دراسات الأمن التطبيقي فيها، أن خروج دول الخليج من هذا المأزق يتطلب التخلي عن فكرة أن الأمن سلعة تُشترى، وليس قدرة يجب بناؤها وتطويرها.
ويعني ذلك أن تتعامل دول الخليج مع ملف إيران بنفسها، وأن تسعى إلى اتفاق إقليمي شامل تكون فيه عملية الانسحاب العسكري الأمريكي التدريجي من الخليج حجر الأساس، مقابل تنازلات إيرانية واسعة تشمل فرض قيود على برامجها النووية والصاروخية، ووقف سياساتها العدائية تجاه دول الجوار، وتطبيع العلاقات الدبلوماسية معها.
بناء القوة الذاتية وعدم التعويل على الخارج
ورغم أهمية مثل هذه التسوية في تأسيس إطار أكثر استقراراً للأمن الإقليمي، فإنها لن تكون كافية بمفردها، إذ تحتاج دول الخليج إلى إعادة تأهيل جيوشها لتصبح قادرة على الدفاع عن أراضيها ومصالحها دون الاعتماد الكامل على القوى الدولية.
ويؤكد التاريخ أن القوى الخارجية كثيراً ما تخلت عن حلفائها. فقد انسحبت بريطانيا من دعم حلفائها في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، وسمحت لإيران بالسيطرة على ثلاث جزر إماراتية، كما تخلت واشنطن عن شاه إيران خلال ثورة الخميني عام 1979، ولم تقدم دعماً فعلياً لحلفائها أثناء ثورات الربيع العربي.
ولا يوجد مبرر استراتيجي لعدم تطوير دول الخليج قدرات متقدمة في كشف الألغام البحرية وإزالتها، رغم اعتمادها الكبير على التجارة البحرية التي ظلت عرضة لتهديدات الألغام الإيرانية في مضيق هرمز. فقد اعتمدت هذه الدول طويلاً على الخبرات الأمريكية والبريطانية في هذا المجال، لكنها وجدت نفسها أمام تهديد خطير بعد سحب بريطانيا كاسحات الألغام التابعة لها قبل اندلاع الحرب، بينما أدارت الولايات المتحدة حربها ضد إيران من مسافات بعيدة. وكما جرت العادة، اتخذت لندن وواشنطن قراراتهما وفق مصالحهما الخاصة، لا وفق مصالح دول الخليج.
مؤشرات على القدرة العسكرية الخليجية
ويجب على جيوش الخليج تطوير قدرات قتالية كافية لحماية أمنها الوطني، استناداً إلى ما حققته من نجاحات سابقة. فقد كان الإنزال البرمائي الذي نفذته الإمارات العربية المتحدة في مدينة عدن اليمنية عام 2015 من أكثر العمليات العسكرية العربية الحديثة تعقيداً ونجاحاً، كما يتمتع مشغلو أنظمة الدفاع الصاروخي الخليجية بكفاءة عالية جعلتهم من بين الأكثر خبرة قتالية على مستوى العالم.
وقد أثبتت جيوش الخليج قدرتها على تحمل هذه المسؤولية، وربما يؤدي أي انسحاب أمريكي مستقبلي إلى دفع هذه الدول نحو تعزيز قدراتها الذاتية بصورة غير مسبوقة.
حدود الرهان على واشنطن
ويرى ديفيد روبرتس، مؤلف كتاب “السياسات الأمنية لممالك الخليج”، أنه لا يمكن التعويل على واشنطن لمواصلة الحرب حتى تُفقد إيران قدرتها على تهديد مضيق هرمز أو دعم حلفائها الإقليميين أو استهداف البنية التحتية لدول الجوار دون ردع.
فإيران خرجت سابقاً من حرب مدمرة مع العراق استمرت ثماني سنوات وألحقت أضراراً هائلة باقتصادها وأودت بحياة مئات الآلاف، كما تحملت عقوداً من العقوبات وحملات الاغتيال الإسرائيلية التي استهدفت شخصيات بارزة في النظام. وحتى بعد أشهر من القصف المكثف، ما يزال النظام الإيراني قائماً ويواصل إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على خصومه.
تسوية إقليمية مقابل الانسحاب الأمريكي
وبدلاً من هذا الرهان غير المجدي، يمكن لانسحاب أمريكي تدريجي من الخليج خلال خمس سنوات، مع وجود التزام تعاقدي يسمح بعودة القوات الأمريكية سريعاً عند ظهور تهديد خطير، أن يزيل أحد أهم أسباب التوتر البنيوية في المنطقة.
كما أن إيران قد تصبح أقل اندفاعاً نحو التصعيد العسكري إذا لم تعد تشعر بتهديد وجودي مباشر من الولايات المتحدة وإسرائيل. ولن يكون أي انسحاب أمريكي خطوة أحادية أو مجانية، بل قد يقابله حصول واشنطن ودول الخليج على تنازلات إيرانية غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، يمكن لأي تسوية متوازنة أن تسمح لإيران باستئناف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفق شروط صارمة تضمن عدم امتلاكها سلاحاً نووياً، بينما قد تشكل البرامج النووية المدنية الخليجية أساساً لإطار إقليمي للتفتيش المتبادل وبناء الثقة والشفافية.
ضبط الصواريخ والطائرات المسيّرة
وإذا كان من الصعب تقييد برامجالطائرات المسيّرة الإيرانية بشكل كامل، فإن إنشاء منظومة إقليمية متعددة الأطراف للتفتيش على الصواريخ والطائرات المسيّرة، تشمل دول الخليج وإيران، قد يفرض قيوداً واضحة على المدى والحمولات ويحد من نقل هذه التقنيات إلى جهات غير رسمية، مع مراقبة عمليات الانتشار الواسعة.
وفي المقابل، ينبغي لدول الخليج الاستفادة من خبرات أوكرانيا في مواجهة الطائرات المسيّرة، عبر تطوير الحرب الإلكترونية، وأنظمة الاعتراض متعددة المستويات، وتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية.
معاهدة عدم اعتداء ومصالح مشتركة
وستحتاج إيران إلى توقيع معاهدة شاملة لعدم الاعتداء، تتضمن وضع قيود على مدى الصواريخ الباليستية وحمولاتها، وإنهاء دعم الجماعات الحليفة مثل الحوثيين في اليمن، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات المفروضة عليها، وفتح الباب أمام تعاون اقتصادي إقليمي يخلق مصالح مشتركة تدفع جميع الأطراف للحفاظ على الاتفاق.
وبهذه الرؤية يمكن تحويل الخليج من ساحة صراع مفتوحة إلى منطقة اقتصادية متكاملة تستفيد منها جميع الأطراف، بما فيها إيران، وتتحمل في الوقت نفسه كلفة أي مواجهة جديدة.
إيران بين العقيدة والحسابات الواقعية
وقد يرى البعض أن إيران لن تلتزم بمثل هذا الاتفاق بسبب دوافعها العقائدية، لكن قراءة أكثر واقعية للمشهد الإيراني تكشف عن دولة تتصرف وفق حسابات استراتيجية واضحة، هدفها إبعاد النفوذ العسكري الأمريكي عن محيطها، والحصول على اعتراف بدورها الإقليمي، وضمان بقاء النظام الحاكم.
ولذلك فإن السلوك الإيراني يظل قابلاً للتأثر بمزيج من الضغوط والحوافز السياسية والاقتصادية.
ويعني ذلك أن الفرصة تبدو متاحة أمام دول الخليج لبناء منظومة أمن إقليمي تحقق مصالحها، وتوفر لها جواراً أكثر استقراراً، وتنهي عقوداً من الاعتماد على الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، وهو اعتماد أثبتت تجارب كثيرة أن أضراره قد تفوق فوائده.
تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا
أعلن البنتاغون الثلاثاء خفض عدد ألوية الجيش الأميركي المنتشرة في أوروبا من أربعة إلى ثلاثة، في خطوة تعيد مستوى الانتشار العسكري الأميركي إلى ما كان عليه عام 2021، وسط ضغوط متزايدة من واشنطن على الدول الأوروبية لتعزيز قدراتها الدفاعية وتحمل مسؤوليات أكبر داخل القارة.
وأوضح البنتاغون في بيان أن القرار أدى إلى “تأخير مؤقت” في نشر قوات أميركية إضافية في بولندا، مشيرا إلى أن تحديد الوضع النهائي للقوات الأميركية في أوروبا سيعتمد على مراجعة المتطلبات الاستراتيجية والعملياتية، إضافة إلى مدى قدرة الحلفاء الأوروبيين على المساهمة في الدفاع عن القارة.
ويضم كل لواء قتالي أميركي ما بين أربعة آلاف و4700 جندي، وفق تقرير صادر عن الكونغرس الأميركي، ما يعني أن الخفض يشمل آلاف الجنود في إطار إعادة تقييم الانتشار العسكري الأميركي خارج البلاد.
بولندا في قلب المراجعة العسكرية
وجاء الإعلان بعد أيام من تقارير تحدثت عن إلغاء نشر أربعة آلاف جندي أميركي في بولندا، قبل أن يؤكد نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس أن القرار يتعلق بتأجيل عملية الانتشار وليس إلغائها بشكل نهائي.
وقال فانس خلال إحاطة في البيت الأبيض إن القوات قد تُرسل إلى مكان آخر داخل أوروبا، مؤكدا أن الإدارة الأميركية لم تتخذ قرارها النهائي بعد بشأن وجهة هذه القوات. وشدد في الوقت نفسه على ضرورة أن تعتمد أوروبا على نفسها دفاعيا، معتبرا أن سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقوم على دفع الحلفاء الأوروبيين لتحمل مسؤوليات أمنية أكبر.
ويُعد فانس من أبرز المنتقدين للسياسات الأوروبية ومن أكثر المشككين في جدوى استمرار الدعم الأميركي الواسع لأوكرانيا، كما يؤكد باستمرار أن ترامب يدفع منذ ولايته الأولى نحو تقليص الاعتماد الأوروبي على المظلة العسكرية الأميركية.
ضغوط على الحلفاء الأوروبيين
ويأتي خفض القوات الأميركية في أوروبا في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأميركية على الحلفاء الأوروبيين لزيادة الإنفاق الدفاعي، بالتزامن مع التوترات المرتبطة بالحرب التي تقودها واشنطن ضد إيران والتطورات الأمنية في مضيق هرمز.
وبحسب تقارير أميركية، يبدو ترامب عازما على إعادة النظر في التزامات بلاده تجاه بعض الحلفاء الذين لم يدعموا العمليات الأميركية فيالشرق الأوسط أو لم يشاركوا في قوة حفظ السلام المقترحة في مضيق هرمز.
وكان البنتاغون قد أعلن في بداية مايو/أيار سحب خمسة آلاف جندي أميركي من ألمانيا، في خطوة اعتُبرت مؤشرا إضافيا على توجه الإدارة الأميركية نحو تقليص وجودها العسكري التقليدي في أوروبا، مقابل مطالبة الحلفاء بتولي أدوار أكبر في حماية أمن القارة.
تحرير: حسن زنيند
Source link



