
قبل شهور، اهتزت شوارع عدة مدن مغربية على وقع احتجاجات واسعة قادها شباب “جيل زد”. ورفع المتظاهرون شعارات تطالب بـ “تحسين القطاع الصحي” و”إصلاح منظومة العدالة”. كما كانت هناك دعوات لـ”مقاطعة كأس الأمم الإفريقية بالمغرب”، بل إن البعض ذهب إلى حد المطالبة بـ”مقاطعة مباريات المنتخب المغربي في البطولة”.
ومع إسدال الستار عن بطولة كأس الأمم الإفريقية التي احتضنها المغرب طيلة شهر، واستثمر فيها أموالا كبيرة، تُطرح بعض التساؤلات عن مكاسب المغرب اقتصاديا من تنظيم “الكان”، لا سيما وأن البعض يرى أنه كان يجب “إعطاء الأولوية” لقطاعات تحتاج لاهتمام خاص، بالمقارنة مع الاستثمار في القطاع الرياضي.
بيد أن لغة الأرقام تثبت أن المغرب ربح الكثير من تنظيم هذه البطولة القارية، خاصة وأن كرة القدم تجاوزت دورها كرياضة يتابعها الملايين حول العالم، وتحولت إلى أداة لـ”القوة والناعمة” وتعزيز صورة البلاد في عالم يتغير بسرعة مجنونة.
أرباح مهمة!
حسب تصريح لوزير التجارة والصناعة المغربي، رياض مزور، فإن انعكاس تنظيم الكان بالمغرب على مستوى المؤشرات الاقتصادية الأولية جد إيجابي، والمغرب استثمر أكثر من مليار يورو لتنظيم التظاهرة، والعائدات تفوق المليار يورو”.
وأضاف المتحدث في حديثه لموقع القناة المغربية الثانية شارحا: “العائدات المباشرة بالنسبة للزوار والسياحة والاستهلاك خلال هذه الفترة، ولكن أيضا كان انعكاس مباشر وقوي جدا في فترة الاستعداد لهذه التظاهرة، حيث خلقت مئة ألف فرصة شغل، أيضا ارتفاع مبيع السيارات بأكثر من 35 بالمئة، كما أن الاستهلاك فاق 25 بالمئة”. مما يمثل بالنسبة للمسؤول المغربي: “نجاحا اقتصاديا مهما واستثمارا للمستقبل بالنسبة لكل المغاربة”.
اقتصاديا إذن، استفاد المغرب من تنظيم كأس الأمم الإفريقية بطرق مباشرة وأخرى غير مباشرة، ما سيعود بالنفع الكبير عدة قطاعات حيوية في المغرب.
أما عن كيفية استفادة المغرب من تنظيم الكان، فقد شهد المغرب توافد أعداد كبيرة من الجماهير والسياح معا لتشجيع منتخبات بلدانهم خلال البطولة. وقدرت بعض وسائل الإعلام المغربية أن أعداد هؤلاء يتراوح ما بين 500 ألف ومليون زائر.
وتوزع كل هؤلاء على ست مدن احتضنت مباريات البطولة وهي: الرباط، الدار البيضاء، مراكش، أكادير، فاس وطنجة. ويعني هذا، ارتفاع الطلب على الفنادق والمطاعم، والتسوق وغيرها من الأنشطة المفيدة للاقتصاد المغربي.
هاجر، سيدة مغربية كانت قد استثمرت ما وفرته من مال في شراء شقة صغيرة في مدينة الرباط، ليس لغرض السكن، بل لتأجيرها. تقول في حديثها لـ DW عربية: “الكل كان يتحدث عن المناسبات الكثيرة القادمة، وعن ارتفاع أسعار العقار في المغرب مستقبلا، لذلك قررت أن أستثمر كل ما ادخرته طيلة سنوات في شقة بالعاصمة”.
وعن سبب اختيارها الرباط، أوضحت “هي قريبة لكل المدن الحيوية في المغرب، يربطها بالشمال القطار فائق السرعة، وبغيره من المناطق قطارات ووسائل نقل متعددة، وخلال المناسبات أو بدونها، دائما هناك أشخاص تبحث عن مكان للإيجار هنا، إن كان للسياحة أو لأجل قضاء أغراض إدارية”.
وعن مدى استفادتها من الشقة خلال فترة كأس أمم إفريقيا، قالت هاجر إنها لم تسجل يوما كانت فيه الشقة فارغة، وإن الطلب هاتفيا بقي مستمرا لأكثر من شهر. تشرح قائلة “عبر الأنترنيت يحجز المغاربة وأيضا الأجانب، الأمر صار سهلا، وهو ما يعود علينا بالنفع، وأيضا على القطاع السياحي واقتصاد بلادنا عموما”.
أشار موقع “نورث أفريكا بوسط” أن الفوائد الاقتصادية لتنظيم كأس الأمم الإفريقية ربما تصل إلى حوالي 12 مليار درهم (ما يعادل تقريبا 1.2 مليار دولار). وأضاف أن تنظيم بطولة كروية من هذا الحجم بمثابة مُحرك قوي للنمو الاقتصادي للمغرب.
يُشار إلى أن اقتصاد المغربيعرف نموا متقلبا بسبب مجموعة من الأسباب، أبرزها التغيرات المناخية وأيضا أسعار الطاقة في السوق الدولية. واقتصاد المغرب مُتنوع، حيث يعتمد على الصناعة (السيارات، الطائرات..) والزراعة والسياحة وغيرها.
وكان البنك الدولي قد قال في بيان سابق له إن المغرب حقق خلال العقدين الماضيين “تقدما ملحوظا” بفضل إصلاحات الحماية الاجتماعية، وهو ما ساهم في تحسين مستوى المعيشة وتوسيع الخدمات الأساسية رغم تحديات مثل البطالة وضعف مشاركة النساء في سوق العمل، حسب ما أورده موقع قناة “سي إن بي سي”، التي تُعنى بالأخبار الاقتصادية.
تحسين البنية التحتية
للمرة الأولى في تاريخ البطولة، اعتمد المغرب على تسعة ملاعب لاستضافة مباريات الكان. وقام المغرب بتحديث ملاعب والبنية التحتية للنقل والمواصلات. فضلا عن مشاريع الطرق، وتطوير السكك الحديدية وتوسعة المطارات.
ولم تكن كل هذه الخطوات لخدمة البطولة فقط بل أيضا للرفع من جودة الخدمات السياحية، وتسهيل تنقل الناس بين مدن المغرب. وكل هذه العوامل، تعني تعزيز قدرة الاقتصاد المغربي على استضافة أحداث دولية مستقبلية ذات قيمة عالية جدا على غرار كأس العالم 2030، التي يُنظمها المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
بالإضافة إلى وسائل النقل العمومية، صارت تطبيقات التوصيل شهيرة في المغرب أيضا، يستعين بها أهل البلد والسياح أيضا. محمد شاب مغربي اختار ترك عمله في معمل بمدينة القنيطرة، وتفرغ للعمل عبر تطبيق “إندرايف”. يقول: “أبدأ العمل في وقت الذروة، يحتاج الموظفون التحرك بسرعة للعمل، وسيارات الأجرة لا تكفي سكان المدينة، لذلك يستعينون بنا يوميا، كما أن العمل انتعش خلال فترة الكان”.
وعن أرباحه من العمل يقول في حديثه لـ DW عربية: “الأرباح الجيدة هي ما جعلني أفكر في ترك عملي، كنت أسهر طوال الليل في المعمل، ولا أجني في اليوم ما أجنيه من العمل عبر التطبيق”. وأضاف: “عندما أتفرغ للطلبيات طوال اليوم، قد تتجاوز الأرباح 500 درهم (50 يورو)”.
لكن هذه الإيجابيات تتواجه بالمقابل مع كون التطبيق غير مرخص بعد في المغرب، وهنا يعلق محمد قائلا: “نتمنى أن يجد له المسؤولون حلا سريعا ويتم تقنين العمل بالتطبيق، فخلال فترة الكان، كان الطلب عليه كبيرا في الرباط والمدن المجاورة له وكل المدن حيث توجد ملاعب، صحيح أن لدينا وسائل نقل كثيرة في المغرب، لكن في أحداث كبرى مثل التي عشناها هذا الشهر، أي إضافة تسهل حركة الناس أكثر، يكثر الطلب عليها”.
وفي هذا الشأن كتبت مجلة “أتالايار” الإسبانية: “لا تقتصر بطولة كأس الأمم الإفريقية بالمغرب على الجانب الرياضي فحسب، بل إنها تشكل اختبارا وطنيا مُتعدد الأبعاد، تتقاطع فيه المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية”.
وأضافت: “تنظيم هذا الحدث يُرسل رسائل حول الاستقرار الفريد للبلاد وقدرة السلطات على حمايته وضمان استدامته وأمنه”.
السياحة وصورة المغرب!
وفي عام 2025، تصدر المغرب دول القارة الإفريقية من حيث عدد السياح، إذ أظهرت بيانات رسمية حديثة أن عدد السياح وصل إلى 19.8 مليون سائح خلال العام الماضي، وهو ما يُمثل زيادة قدرها 14 بالمئة مقارنة مع عام 2024، حسب ما أورده موقع “أفريكن ترافل توريزم آند أسوسييشن”.
ومع تنظيم بطولة قارية من حجم كأس الأمم الإفريقية وتوافد أعدد غفيرة من السياح، فإن قيمة السياحة المغربية سترتفع بشكل واضح. كما أن “كان” 2025 سيساهم في تعزيز صورة المغرب كوجهة سياحية مُفضلة.
ولفت موقع “أفريكا بريس” المهتم بشؤون القارة الإفريقية أن “الانتعاش الاقتصادي الناتج عن استضافة المغرب لكأس الأمم الإفريقية يشمل أيضا المحلات التجارية، ومتاجر بيع التذكارات، وخدمات النقل والأنشطة الترفيهية”.
وأضاف :”يُتوقع أن يكون لكأس الأمم الإفريقية أثر كبير على الاقتصاد المغربي، خاصة المدن المستضيفة للمباريات”.
كذلك، ساهم توافد أعدد كبيرة من المشجعين لمتابعة فعاليات كأس الأمم الإفريقية، في ازدياد الطلب على الخدمات الفندقية والنقل والأمن وغيرها. ويعني هذا أيضا، خلق أعداد مهمة من الوظائف سواء بشكل دائم أو مؤقت، وبالتالي تنشيط سوق العمل.
كما أن تنظيم المغرب لكأس الأمم الإفريقية 2025 يعزز صورة المغرب عالميا على تنظيم مظاهرات رياضية كبيرة وفق معايير دولية، وتعزيز مكانته كشريك يمكن الاعتماد عليه بشكل كبير في البطولات الدولية.
زيادة على ذلك، تساهم التغطية الإعلامية الكبيرة للبطولة التعريف بالمدن المغربية، وتشجيع السياحة وأيضا جذب المستثمرين على المدى الطويل.
تحرير: عبده جميل المخلافي
Source link



