أخبار العالم

واقعية أم تراجع عن الطموح؟

بدأت السعودية مراجعة “رؤية 2030″، وهي أجندة شاملة أطلقت في المملكة عام 2016. وكان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي كان يشغل حينها منصب ولي ولي العهد ووزير الدفاع، قد طرح أجندة الإصلاح التي تبلغ تكلفتها تريليوني دولار قبل عقد من الزمن لتقليل اعتماد المملكة على النفط وتحويل الاقتصاد والمجتمع.

ومنذ ذلك الحين، تعمل الرياض على تحويل اقتصادها، بصفتها أكبر مصدر للنفط في العالم، نحو التكنولوجيا والسياحة والطاقة المتجددة.

وتشمل المجالات الرئيسية الأخرى بناء مشاريع عملاقة مختلفة، وهي تطورات كبيرة ضمن مدن بأكملها مما يعتبر تحولا للصورة الذهنية عن السعودية، فضلا عن خطوات لتحديث المجتمع السعودي، في اتجاه تعزيز حقوق المرأة ومشاركتها أكثر في سوق العمل.

ومع ذلك، أعلن وزير المالية محمد الجدعان هذا الأسبوع أن السعودية تعمل على تعديل استراتيجية الإصلاح. وفي مقابلة مع موقع “بلومبرغ” للأخبار الاقتصادية يوم الاثنين، قال الجدعان إن الحكومة تعمل على خطة خماسية جديدة تهدف إلى “مضاعفة الجهود في مجالات السياحة والتصنيع والخدمات اللوجستية والطاقة”.

وأوضح أيضا أن النهج المُعدل يعني تقليص حجم بعض المشاريع، وتوسيع مشاريع أخرى، ووضع بعضها قيد الانتظار.

تقليص وإيقاف مشاريع كبرى

في وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت اللجنة الأولمبية السعودية أن الألعاب الشتوية الآسيوية لعام 2029 ستقام في ألماتي بكازاخستان، بدلا من منتجع “تروجينا” للتزلج الذي لا يزال قيد الإنشاء في جبال مشروع “نيوم” المستقبلي في السعودية.

في عام 2025، شهد مشروع “نيوم” تقليصًا كبيرًا لطموحات ناطحتي السحاب، بعد أن كانت تصوّرهما الحكومة بمثابة أيقونات مستقبلية، في خطوة تعكس إعادة تقييم نطاق المشروع وأهدافه.

وفي أواخر يناير، تم تعليق بناء “المكعب”، وهو ناطحة سحاب على شكل مكعب بأبعاد 400 متر في 400 متر، كان مخططا أن تكون حجر الزاوية في منطقة “المربع الجديد” بالرياض، حيث أعاد المسؤولون تقييم تمويله وجدواه.

وبدلا من ذلك، أعلن ولي العهد عن “بوابة الملك سلمان” في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وهي منطقة جديدة مجاورة للمسجد الحرام في مكة ستضيف نحو 900 ألف مساحة للصلاة داخلية وخارجية.

وصرحت أليس غاور، مديرة الجغرافيا السياسية والأمن في شركة الاستشارات “أزور ستراتيجي” ومقرها لندن، في تصريحها لـ “دويتشه فيله” (DW) قائلة: “إن أي مشروع كبير يمر بشكل طبيعي بفترات مراجعة وتعديل استجابة لاعتبارات أوسع. كانت أهداف رؤية السعودية 2030 طموحة، ويمكن وصف العديد من المشاريع العملاقة على وجه الخصوص بأنها كانت غير واقعية منذ البداية”.

وأضافت غاور أن انخفاض أسعار النفط العالمية عن المستويات اللازمة للتمويل، وارتفاع الإنفاق الحكومي، بالإضافة إلى وجود جيل شاب بحاجة إلى وظائف، قد أدى إلى الضغط على خزائن الحكومة.

دور صندوق الاستثمارات العامة السعودي

جاء الدفع نحو مراجعة الأجندة الرئيسية للبلاد من قبل صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وهو المستثمر الرئيسي في مشاريع رؤية 2030. ووفقا لتقرير صادر عن وكالة “رويترز” في أكتوبر 2025، زاد صندوق الثروة السيادي الذي تبلغ قيمته 925 مليار دولار (776 مليار يورو) من ضغوطاته لتحويل التركيز بعيدا عن المشاريع العقارية المكلفة إلى الصناعات التي تعد بعوائد أفضل في المستقبل القريب.

وصرح ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة، للصحفيين في يناير أن الصندوق سيركز خلال السنوات الخمس المقبلة على ستة “أنظمة بيئية” تشمل السياحة، والتنمية الحضرية، والابتكار، والطاقة النظيفة، والصناعة.

وأكدت غاور أن “التركيز الجديد ينصب على المشاريع الموجهة دوليا مثل كأس العالم 2034، حيث الأرباح المحتملة للسعودية كبيرة”، مضيفة أن “هذه المجالات توفر أيضا فرصا للجمهور العالمي لزيارة المملكة العربية السعودية“.

كما أوصت ورقة عمل نشرت مؤخرا عن صندوق النقد الدولي (IMF) بإصلاح رؤية 2030. وقالت الورقة: “هناك حاجة لإصلاحات مستمرة لمعالجة الفجوات الهيكلية والتكيف مع الأولويات الجديدة، خاصة من خلال مواءمة المبادرات مع تطلعات الشباب”. وأشارت بشكل خاص إلى وجود “عدم تطابق بين متطلبات سوق العمل والمهارات، حيث أن القطاعات المستهدفة في رؤية 2030 قد لا تستفيد بشكل كامل بعد من القوة العاملة المتعلمة تعليما عاليا في البلاد”.

ومع ذلك، ونظرا لأن رؤية 2030 تمر بعامها العاشر، فقد نشأ الجيل الشاب في السعودية تحت وعود إصلاحات الرؤية والطموح والنمو الاقتصادي. وحذرت أليس غاور من أن “تحول تركيز رؤية 2030، استجابة للتحديات الاقتصادية، يمثل نوعا من الصدمة لأن الكثيرين ربطوا مساراتهم المهنية بأهداف خطة التنمية”.

هل تستمر السلطوية والقمع في السعودية؟

رغم هذه الصدمة، لا يتوقع المراقبون غضبا شعبيا تجاه إعادة ترتيب الأولويات. وتتعرض السعودية لانتقادات منتظمة بسبب وضع حقوق الإنسان وقمع الانتقادات. وفي السنوات الخمس الماضية، حُكم على عدة أشخاص بالسجن لعقود بسبب “الإعجاب” بمنشور عن حقوق الإنسان على وسائل التواصل الاجتماعي. كما زادت عمليات تنفيذ عقوبة الإعدام في عام 2025.

وفي المقابل، تتوقع غاور أن تكون الرقابة الحكومية حساسة تجاه أي استياء خارجي، سواء تم التعبير عنه عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو في الأماكن العامة، بما في ذلك ما يتعلق بالمراجعة والإصلاحات.

وقالت جوليا ليغنر، المديرة التنفيذية لمنظمة حقوقية، لـ DW: “إن هذه المبادرات الضخمة التي تدار من الأعلى إلى الأسفل، ويقودها صندوق الاستثمارات العامة ويتحكم فيها محمد بن سلمان بإحكام، تستبعد أجزاء كبيرة من المجتمع السعودي”.

المساواة بين الجنسين في السعودية.. “بعيدة المنال”

وهذا الرأي يشاركه أحمد بن شمسي، مدير التواصل والمرافعة في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة “هيومن رايتس ووتش”. وصرح بن شمسي لـ DW قائلأ: “في السعودية، يُفرض الإصلاح والقمع على حد سواء من الأعلى، وكلاهما في ظل حكم استبدادي صارم”.

وأضاف بن شمسي أنه على السطح، يبدو الأمر وكأنه تقدم، ولكن عند الفحص الدقيق، تظهر حقيقة أكثر قتامة. وقال: “نعم، يمكن للمرأة أن تقود السيارة، ونعم، يتم تشجيعها أكثر على الانضمام إلى القوة العاملة، لكن حريتها محدودة، وحقوقها مشروطة، واستقلاليتها تخضع لرقابة صارمة”.

وأوضح أنه رغم الإصلاحات، لا يزال من الممكن معاقبة النساء بسبب “عصيان” أزواجهن. وأضاف أن الطلاق يمكن منعه، وحضانة الأطفال يمكن سلبها، سواء عبر القواعد القانونية أو البيروقراطية. وختم قائلا: “أما بالنسبة للمساواة بين الجنسين، المساواة الحقيقية، فهي لا تزال بعيدة المنال”.


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى